بناء القيم لدى الطفل


تميل المخلوقات للحفاظ على الحياة وتفادي مايؤدي إلى زوالها، وكل مولود ينزع بفطرته إلى دفع الأذى عن ذاته وإبعاده عنه، وأول آليات بناء معايير الصحيح والخطأ، تقوم على ربط كل ما كان ضاراً أومؤذياً بما يجب رفضه؛ واعتباركل مفيد، ذي منفعة، مرغوباً فيه، فتكون أول أساسيات البناء القيمي فطرية متناسقة مع الحاجات الطبيعية.


يتوافر الطفل الرضيع على مؤهلات تلقائية لتمييز الأذى بصفة محدودة وغير مكتملة، لذلك وجبت حمايته وتنمية مهاراته لتمكينه من بناء قدرته على تفادي وكذا مواجهة كل أذى محتمل. فالطفل الذي يتعرض للأذى، كالضرب أوالتجويع أو أي نوع من أنواع الاضطهاد، يفقد ملكة إدراك مدى خطورة الأذى الذي يتعرض له، وبالتالي فلن يستطيع أن يتفاعل مع هذا الحدث كمثير سلبي ينبغي عليه إبعاده وتحصين نفسه عنه، بل يتعود على إحساس الألم، الجوع، المرض وما إلى ذلك، بحيث يعتبره مكوناً طبيعياً لحياته فيتعايش معه ويتقمصه كسلوك اعتيادي. أول قاعدة يلزم احترامها لضمان بناء القيم لدى الطفل بشكل سليم، حماية قدرات الطفل التمييزية الفطرية، أي وقايته من كل السلبيات التي تحد أو تدمر فطرة التقييم والاختيار وفق إحساسه الشخصي.


أما التربية بالتخويف من العقاب والترغيب في التواب، فلن تعطي أكلها إلا إذا انتبه المربي إلى عدم الوقوع في المبالغة لدرجة التشبع، الذي يمحو كل الأهداف المرجوة؛ فالطفل الذي يتعرض للعقاب بشكل مستمر يصبح متعوداً ولن يتحقق أي أثر ردعي في سلوكياته، كذلك بالنسبة لمن يحصل على الهدايا دون مناسبة وتلبى رغباته كاملة، يفقد حلاوة الأماني وتضيع فرحته بالحصول على مكافأة تملأ قلبه بهجة. لذلك ينبغي التركيز على هيبة المربي وعدم لجوئه إلى العقاب إلا نادراً بعد استنفاد كل أساليب الحوار التوضيحي، والمحافظة دائما على مكانة التوجيه والرعاية التربوية؛ كما يحبذ أن تنوع أساليب المكافأة لتأخذ طابع الهدية المعرفية، أوالمكرمة المعنوية أوالرضا العاطفي.


يجتهد الطفل لتمثل سلوك مراجعه القيمية، فيسعى للتقرب من مصدر الرضا حيث يبذل قصارى جهده لكسب وده، سواء كان والده أو والدته، أومربيه أو معلمه أو أحد أقاربه؛ يركز كل اهتمامه وذكائه لإرضاء الشخص الذي تتمركز حوله كل عواطفه، ومحفزات تصرفاته، وكلما صعبت عليه الشقة، استلهم همته من ايحاءات مربيه الإيجابية؛ فيستحسن ما حسنه ويستقبح ما قبحه، وأخذته الحماسة للدفاع عن قيمه لاعتزازه بولائه لمرجعه التربوي.


أما الاقتداء فلا يكون إلا بالقدوة التي تستهوي ميولات الطفل ويشعر بحمايتها له، محسوسة الدفء العاطفي، وملموسة الملامح؛ فلن يتمكن الطفل من اتباع قدوة يشعر بفظاظتها وينفر من برودتها وصلابتها، وإن كانت قائمة على أسس صائبة.


تتراكم المعارف ومختلف المكتسبات الذهنية لتجعل منظومة القيم أكثر بروزاً على المستوى السلوكي، وأوسع ثراءً لفظياً للتعبير والدفاع عن مختلف وجهات النظر والمواقف، ولكن الخبرة الذاتية تضع القيم على محك الواقع المعاش، فتظهر الفوارق بين المرجعية الذاتية وأنماط الحياة الاجتماعية، المهنية والعلائقية، فيندفع المرء في تفسيراته العقلانية لمحاولة التأقلم بإيجاد مبررات توافق بين قيمه وواقعه؛ وقد يستعلي بقيمه وينتصر لها ولذاته، فخوراً بنفسه؛ وقد يلجأ إلى الانعزال إن شعر بعدم قدرته على احتواء مختلف التناقضات، فيصبح الانزواء وسيلة للدفاع عن قيم لا يستطيع إقحامها في مجالات العيش، وإما أن يقدم على مواجهة المجتمع بشكل اندفاعي واعتباطي بحثاً عن حل لا يعلم كيف يصل إليه؛ أما أهدأ السبل وأنجعها تتطلب القدرة على استخلاص العناصر الأساسية لكل القيم وتجزئة مقاصدها، والمهارة في احتواء المتغيرات المجتمعية وإعادة صياغة القيم الذاتية بنكهة مجتمعية متجددة ومندمجة في الظروف الحياتية.