الإمارات تقود العالم


 ذكرتنا الإمارات بالأيام الخوالي التي كان العرب فيها يقودون الحضارة البشرية، عندما أعلنت عن إقامة أول مدينة من نوعها في العالم خالية من الكربون والنفايات والسيارات، تعتمد بالكامل على الطاقات النظيفة المتجددة، أو كما يسميها الخبراء «طاقات المستقبل».

وما فعلته الإمارات لا يكتسب أهميته من كونها أول مدينة من نوعها في العالم صديقة للبيئة فقط، ولكن لكونها تؤسس وتؤطر لنموذج عمل جديد يقوم على التوازن بين احتياجات الاقتصاد واحتياجات البيئة، وبين طموحات الإنسان وضوابط الطبيعة، وبين مقتضيات الحاضر وتطلعات المستقبل.
 
إن الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها إقامة المدينة، التي تصل إلى 81 مليار درهم هي أكبر استثمار في التاريخ ترصده حكومة من أجل الحفاظ على البيئة، وهذا يعني ببساطة أن الإمارات  سبقت بفكرها ورؤيتها العديد من الدول المتقدمة التي مازالت تنظر إلى الحفاظ على البيئة باعتباره قيداً على التنمية، وليس عالماً جديداً يحتاج إلى من يستكشفه ويستغله وفقا قواعد وشروط اللعبة الجديدة التي تضع البيئة على رأس أولوياتها.
 
وقد يكون من الغريب أن تبادر دولة مثل الإمارات إلى إقامة هذا النوع من المدن، وهي التي تملك 10% من احتياطيات العالم المؤكدة من البترول، و4% من احتياطيات الغاز الطبيعي، ولديها ما يكفيها من الطاقة لمئات السنيين ليس  لسد احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية فقط، بل لتزويد الأسواق العالمية أيضاً.
 
وإذا كان لذلك معنى فإنه يعني وبكل تأكيد أن الإمارات بدأت ومن الآن تحضير نفسها واقتصادها لحقبة ما بعد البترول، وأنها تخطط لأن تظل مركزا عالميا للطاقة في المستقبل، حتى لو نفذت كل احتياطياتها من الوقود الكربوني. وفي الحقيقية فإن المدينة الجديدة التي تقام علي مساحة ستة ملايين متر مربع ويستغرق بناؤها عشر سنوات، ستكون نموذجا لمدن المستقبل التي يتعين على العالم تطويرها، إذا أراد أن يواصل النمو الاقتصادي المستدام.
 
ويكفي أن نعرف أن استهلاك المدينة الجديدة من الطاقة يقل بنسبة 75% عن استهلاك المدن التقليدية، وهذا الوفر الهائل في الطاقة لا يتحقق فقط من خلال إحياء التقاليد العربية القديمة في فن المعمار، التي تعتمد على التبريد الذاتي واستخدام مواد بناء الصديقة للبيئة، وإنما من خلال استخدام تكنولوجيا متطورة للغاية تعتمد على تركيب خلايا كهروضوئية في الجدران والأسقف والخراسانات ،قادرة على توليد 130 ميغاوات من الكهرباء.
 
وليس هناك من شك في أن المدينة الجديدة ستكون نقطة تحول في تاريخ صناعة البناء والتشييد ليس في الإمارات فقط، وإنما في منطقة الخليج كلها، بعد أن ظلت لعقود طويلة في قفص الاتهام،  بسبب نهجها في التعاطي مع البيئة، ولعل هذا ما قصده مصممو المدينة عندما أضافوا إلى مكوناتها مصانع تنتج سلعاً صديقة للبيئة ومساحات زراعية تمدها بالمحاصيل اللازمة لتوليد الطاقة الأحيائي، فضلاً عن محطات الطاقة الشمسية والتوربينات التي تعمل بالرياح والأهم من كل ذلك جامعة للدراسات العليا متخصصة في الدراسات البيئية وتطوير مدن المستقبل.

georgefahim_63@hotmail.com