«مال عمك ما يهمك»


     من الواضح أننا نعاني من خلل كبير في تحديد معايير «العلاج خارج الدولة»، ومن الواضح جدًا أن عددًا كبيرًا من الحالات المبعوثة ربما بعثت من أجل «المجاملة» أو«الواسطة»، وهنا نحن لا نرمي الاتهامات على أحد، ولكن أرقام المبتعثين إلى العلاج خارجيًا تثير ألف سؤال وسؤال!

وبدون أدنى شك فإن رقم المرضى المبتعثين إلى ألمانيا وحدها، الذي أعلنه سفير الإمارات محمد المحمود، كبير جدًا على حجم دولة مثل الإمارات، خاصة إذا حاولنا استخراج نسبة مئوية لهؤلاء الـ 6000  مريض من العدد الإجمالي للمواطنين في الدولة.

ويفترض أن العلاج في الخارج هو آخر محطة في سلسلة القرارات الصحية، بعد أن يتم التأكد من عدم وجود علاج لهذا المريض في جميع مستشفيات الدولة، ثم التأكد من عدم وجود طبيب زائر يمكنه القيام بالمهمة، دون تحمل عناء السفر الخارجي وتكلفته، ومن النظرة الأولية على عدد المرضى المبتعثين الى ألمانيا، أكاد أجزم بأن نصف المرضى أو أكثر، لم يصلوا الى الدرجة التي تجعل من سفرهم للعلاج أمرًا مبررًا ! 

لن أرمي الاتهامات أيضًا، ولكن جميعنا يعلم أن الأورام السرطانية تشكل النسبة الأكبر من الحالات التي يتعين «تسفيرها» للعلاج، فإذا كان عدد المصابين بها بلغ العام الماضي في جميع أنحاء الدولة 2000 حالة، وإذا افترضنا أنهم جميعهم سافروا إلى ألمانيا للعلاج، مع أننا نعلم أن مجموعة كبيرة منهم تم رفض طلباتهم للسفر، وحولوا إلى مستشفيات «توام» و«دبي»، ولا مانع من ذلك إذا كان العلاج متوفرًا.. لكن فلنفترض أن جميع الحالات التي تعاني من «السرطان» سافرت للعلاج، إذن ما المرض الآخر الذي يستدعي ابتعاث 4000 مريض إلى ألمانيا؟

لا شك إطلاقًا في أن المعايير «الحقيقية» لاتخاذ قرار العلاج في الخارج مفقودة تمامًا، رغمًا عن كل ما يمكن أن يقوله المسؤولون في وزارة الصحة. وإضافة إلى ذلك فإن تعدد الجهات التي تقرر إرسال المرضى يشكل المشكلة الثانية التي تزيد مشكلة غياب المعايير تعقيدًا، فمعظم الجهات تبتعث مرضى للعلاج الخارجي، ومعظم هذه الجهات لا تمتلك عيادة تابعة لها، أو حتى طبيبًا واحدًا يعمل لديها، وبالتالي فإن قرار الابتعاث يعتمد على تقارير طبية لا يوجد أسهل من إصدارها، أو علاقة المريض ووضعه مع أصحاب قرار الابتعاث، وبالتالي إرسال المريض إلى ألمانيا أسهل بكثير من إرسال«مراسل» إلى أقرب صيدلية، لأن بعض الحالات لا تستدعي حتى مراجعة أقرب عيادة أو مستشفى!

«مال عمك ما يهمك»مثل عربي، و«مال موفتي شوقفتي» مثل غير عربي، لكنهما يحملان معنى اللامبالاة نفسه في الصرف، إذا كان المال يصرف من «جيب الغير»، وهذا بالضبط ما يحصل في البعثات العلاجية، «إرسال مريض واحد إلى الخارج لن يضرّ الدولة أو يكلفها  شيئًا كثيرًا».
هذه هي النظرية السائدة، والتي أدى انتشارها بين المسؤولين إلى تكبيد الإمارات مبلغًا تجاوز 500 مليون درهم، صرفت في دولة واحدة لعام واحد! 
 
  reyami@emaratalyoum.com