مسلمو أوروبا يتحدّون التهميش

 استطاع عددمن المثقفين المسلمين الذين استوطنوا في أوروبا أن يجدوا موطئ قدم لهم، وسط منافسة حادة من طرف الأوروبيين. ورغم المضايقات والتهميش، تمكن شباب من بلدان اسلامية أن يثبتوا وجودهم ويشقوا طريقهم نحو النجاح. وعرفت أوروبا تجارب ناجحة وقصصا مشرفة كان المسلمون أبطالها. وفي المقابل بقيت شريحة من المهاجرين على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسقط آلاف الشباب في فخ المخدرات والجريمة المنظمة.
 
كما يعتمد مئات الآلاف من المهاجرين على المعونات الحكومية ويكتفون بذلك، ويرون في ذلك بديلا مقبولا عن معاناتهم في بلدانهم الأصلية. بعد أحداث 11من سبتمبر، وجد مسلمو أوروبا أنفسهم أمام واقع جديدوتعيّن عليهم أن يتعايشوا مع الضغوط الكبيرة التي مورست عليهم. ورغم وقوع العديد منهم ضحية ممارسات غير حضارية وتعرض البعض الآخر للإهانة والاعتقال والإبعاد، تعايشت النخبة المثقفة مع الوضع بكثير من الحكمة والعقلانية من بين نماذج المثقفين الذين كسروا كل الحواجز ووصلوا إلى مناصب عليا؛ المحامية فاميل آرسلان التي شقت طريقها في مجال القانون والمحاماة بصعوبة شديدة، إلا انها أصبحت الآن أول محامية مسلمة ترتدي الحجاب في لاهاي بهولندا.
 
وترى  آرسلان أن المرحلة الحالية التي تمرّ بها أوروبا مناسبة جدا لمسلمي أوروبا من أجل إثبات وجودهم، والكل يركز عليهم، لذا يجب الاستفادة من الظرف الحالي. وفي هذا الإطار، أشار استطلاع للرأي أجري العام الماضي أن الطبقة الوسطى من المسلمين يصنفون أنفسهم بطريقة مطابقة تماما لأبناء بلدانهم من الأوروبين، وشمل الاستطلاع كلا من فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

كما تحول أبناء المهاجرين من العمل في المحلات والمصانع إلى المباني الفخمة والمكاتب الراقية. وبات لهؤلاء أماكن شعبية خاصة بهم، يلتقون فيها نهاية الأسبوع ويتبادلون الأفكار ويصنعون المستقبل بطريقة حضارية. تكيّف صعب وفي المقابل أثار البعض تساؤلات حول الأسباب التي دفعت شبابا مثقفا وناجحا إلى التورط في أعمال «إرهابية». وكانت حادثة مطار غلاسغو في اسكتلندا قد أعادت أذهان البريطانيين إلى كابوس تفجيرات يوليو 2005، وللأسف كان المتهمون في محاولة غلاسغو من المثقفين، على خلاف منفذي تفجيرات يوليو الذين لم يكملوا تعليمهم.

إلا أن محللين يرون في الحادثتين أمرا شاذا يجب ألا يقاس عليه، وقد يكون هؤلاء المتورطون في أعمال تخريبية، ضحية تمييز وتهميش وسط مجتمعهم.  كما أن النقاشات الواسعة حول مسألة الحجاب قد خرجت عن نطاقها وباتت وكأن الغرب يتعامل مع أشخاص غرباء. ويتجاهل البعض أن الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين لم يعرف وطنا غير أوروبا. إضافة إلى أنه يجب أن لا يكون التعامل مع أبناء المهاجرين على أنهم غير أوروبيين، حسب رأي البعض، بل يتعين على أوروبا أن تعمل على استيعابهم بشكل كامل ونهائي. و يرى مسلمون أوروبيون أن حياتهم أصبحت صعبة بعد أحداث 11 من سبتمبر، فقد قلبت الموازين وغيرت تفاصيل حياتهم ونظرة الآخرين إليهم.

وفي ذلك يقول الجراح الفلسطيني المقيم في اسبانيا منذ 40 عاما، كمال حلاوة «لا يتعلق الأمر في العلاقة بين الأوروبيين والمهاجرين المسلمين بالتمييز فحسب، ولكن المسألة باتت تتعلق بعدم الثقة بين الطرفين.. ويتضح ذلك في طريقة تعامل رؤساء العمل مع المسلمين. وبناء على ذلك يتعين عليك أن تثبت، باستمرار، أنك مواطن مثل الآخرين».
 
لا يواجه المسلمون في بريطانيا القوانين العلمانية، مثل فرنسا، لكن عليهم التكيف مع تقليد محلي مألوف يتمثل في تناول المشروبات الكحولية، فالحانة مكان مهم للتواصل، كما يقول  المحاسب في لندن عاصم صديقي، «إذا كنت مسلما لا تتناول المشروبات، فإن ذلك يزيد من صعوبة الترقي في السلم المهني»، وفي سياق بحثه عن بديل لجلسات تناول تلك المشروبات بعد ساعات العمل، عمد إلى تأسيس جمعية «سيتي سيركل» وهي جمعية خيرية يتم فيها إلقاء المحاضرات أيضا واجتذاب المهنيين من المسلمين، وفي ليالي الجمعة يأتي المسلمون من أماكن عملهم مباشرة لاحتساء الشاي أو تبادل الأحاديث أو الاستماع إلى محاضرة عن الشعر الصوفي. معركة القيم والمبادئ يضطر كثيرمن المسلمين الأوروبيين إلى التنازل على بعض قيمهم وأفكارهم، أحيانا، حتى يتجنبوا صدامات محتملة مع مجتمعهم. فقد يجد الموظف نفسه في حرج كبير إذا حان وقت الصلاة، خاصة إذا كان هو المسلم الوحيد في شركته.

في حين تقول آرسلان ان «التواضع هو من سمات المسلمين، لكن هذه السمة لا توصل بعيدا في أوروبا». وترى المحامية أن الحياة الوظيفية ملأى بالتحديات وبالمواقف التي يجب على الإنسان أن يطالب بحقوقه ويصر عليها.

وفي فرنسا يواجه المسلمون تحديات شبه يومية، فيما يتعلق بهويتهم ومبادئهم الإسلامية. والسبب في ذلك رفض العلمانية الفرنسية، لكل مظاهر التدين في المؤسسات الحكومية. وفي ذلك يقول الاستشاري في احدى الشركات المالية في باريس، زبير بن ترديت، «يوجد أماكن خاصة بالصلاة في المصانع، إلا أن الموظف (المسلم) يجد حرجا كبيرا في أن يستأذن لتأدية الصلاة، فذلك يصدمهم (الإدارة).».

ويعدّ بن ترديت من المسلمين الجريئين الذين لا يتذرعون بأي شيء، فيما يخص العبادات الإسلامية. فمثلا، قد يعتذر مسلم ما عن شرب الخمر بسبب صداع، وليس لأنه حرام. وقد أنشأ الاستشاري بن ترديت موقعا ثقافيا على «الانترنت»، أطلق عليه اسم «لي ديروييار»، ليثبت كما يقول، انه «بالإمكان أن تحقق نجاحا في فرنسا  دون أن تتخلى على مبادئك وقيمك الإسلامية».
 
وغالبا ما يسأل أصحاب العمل مالك وكالة التوظيف في باريس، بوجرنة حضري، إذا كانت المرشحة للوظيفة ذات الاسم العربي ترتدي الحجاب، ويقول: «هم يدركون أن الحجاب لا يؤثر في أداء المرأة لوظيفتها لكنهم خائفون، فأصحاب الأعمال يحبذون موظفين على صورتهم، والفرنسيون يريدون نسخا منهم وأشخاصا يشبهونهم».   


 أنا المحامية
 تعدّ المحامية فاميل آرسلان أول محامية مسلمة تحافظ على ارتداء الحجاب في هولندا، التي يوجد فيها عدد قليل من المسلمين مقارنة بدول أوروبية أخرى. وعندما حضرت أرسلان لمباشرة عملها في اليوم الأول أشارت موظفة الاستقبال إلى الخزانة التي تحوي معدات التنظيف، وتتذكر ارسلان أن الموظفة قالت لها: «معدات التنظيف موجودة هناك»، فردت عليها قائلة: «أنا لست عاملة التنظيف، أنا المحامية».
 
وبعد عشر سنوات من ذلك أصبحت تمارس مهنتها في لاهاي حيث محكمة العدل الدولية، وتقول إن الناس يقولون لها: كم هي ناجحة! لكنها تشير إلى أنها ما كانت لتحقق ذلك القدر من النجاح، مما تطمح إليه لو لم تكن امرأة ومحجبة، مع ذلك تبدو أرسلان متفائلة، ولاسيما عندما تسألها شابات مسلمات عن كيفية ارتقاء السلم المهني، وتقول: «إذا ما فكرت بطريقة استراتيجية، فهذا هو الوقت المناسب لتكون مسلما أوروبيا، فالكل يركز علينا، ولذا فهي فرصة إذا ما اقتنصتها» .   المهنيةهي الحل   يعمل زبير بن ترديت مستشارا في إحدى شركات المحاسبة الدولية ويرى أن الموظف المهني الذي «يبلي بلاء حسنا يصبح واحدا من الأوروبيين، وهكذا تصبح علمانيا.» لكن بن ترديت يبدو أكثر ثقة بنفسه في العمل مع كثير من المسلمين، فهو لا يتحرج من التحدث بالعربية من هاتف المكتب، وهو لا يتظاهر بالمرض، عندما يكون صائما في رمضان، أو يرفض بعض النبيذ وقت الغداء، زاعما أنه يعاني من صداع، وقد أسس ناديا على «الإنترنت» لأنه أراد إثبات أن في مقدور المسلم أن ينجح في فرنسا من دون التخلي عن مبادئه الإسلامية.

لكنه يعترف أن الطريق لاتزال طويلة، ويرى أن المسلمين في لندن يحصلون على وقت لأداء الصلواة، الأمر الذي يراه جيدا.