انماط الدفاع النفسي

تبدأ آليات الدفاع النفسي منذ الولادة بالتفاعل مع المثيرات التي توجه سلوكيات المرء، للتأقلم مع كل مكونات البيئة المحيطة والمحافظة على التوازن الذاتي؛ على شكل ردود فعل بعضها بصفة واعية وغالباً لاواعية. تنمو هذه الأنماط وتتنوع لتغطي كل مناحي الخبرات الحياتية، فتصبح مكوناً أساسياً للطباع الشخصية؛ إلا أن تضخم أحد هذه المكونات يعيق نمو العناصر الأخرى متسبباً في اختلالات ذهنية أو سلوكية أو نفسية، قد لايعيها الشخص إلا بعد مرور سنوات عدة، ولايساعده على إدراك عيوبه إلا ملاحظات الآخرين أو إخفاقاته المتكررة في بعض الميادين المعاشة.

لفهم هذه الدينامية الحيوية، نضرب مثل نمو خلايا الجسم، حيث يجب أن تتكاثر وتنمو بحسب الحاجة لنشاط كل الأعضاء بصفة متناسقة، فالخلايا التي تظل تتزايد وتكبر دون نسقية تؤدي إلى أضرار جسيمة وتصبح مرضاً خبيثاً يفتك بالجسم كله. عندما يتعرض طفل لمثير خارجي، كأن يأخذ له زميله أحد أغراضه أو ينتزع منه لعبته أويضربه لسبب ما، فإننا نلاحظ نمطية ردة فعل الطفل المعتدى عليه؛ فقد يكون سريع الاندفاع إلى ضرب ودفع المعتدي وهذا أحد الأنماط الدفاعية، أو قد يبكي ويظل في مكانه مشدوهاً لايدري كيف يرد عن نفسه الأذى، أو قد يلجأ إلى من يدافع عنه، أو قد يستجدي من اعتدى عليه ويخضع لسلطته، إلى ما ذلك من الأنماط المختلفة للتأقلم.
 
عندما يجرب المرء أنماطاً دفاعية عدة، فإنه يختبر إمكاناته لتنويع تصرفاته وبالتالي القدرة على اختيار الوسيلة الأنجع بحسب الظرف والموقف. كل الأنماط الدفاعية تأقلمية في حد ذاتها، إلا أن الشخص يركن إلى نمط واحد أواثنين لقدرته على تكراره، فيتعود على حل كل إشكالياته وفق  أحادية تصبح طابعه السلوكي، ما قد ينعكس سلباً على شخصيته.

أول هذه الأنماط الدفاعية، الاندفاع حيث يتفاعل الشخص مع المثيرات بأفعال سريعة دون تريث أوتفكير، أما إيجابيات هذا النمط فهي تنمية سرعة الاستجابة واليقظة والقدرة على التفاعل مع المواقف بسرعة وآنية، وتتلخص السلبيات في الأخطاء الناتجة عن قلة فهم حيثيات المسألة والتسرع في اتخاذ قرارات قد تكون خاطئة. إثبات الذات، حيث يلجأ المرء إلى الإصرار على رأيه في مواجهة كل المتغيرات، وقد يصل الأمر لدرجة الشعور بالقدرة المطلقة وتضخم الاعتداد بالنفس فيستطيع فرض رأيه وقراراته على الآخرين، ولكنه قد يركن إلى ثقته العمياء بنفسه فيتقاعس عن تنمية  مداركه المعرفية ومهاراته المهنية. أنماط العقلنة ترتكز على التحليل العقلي للأمور قبل تحديد نوعية التفاعل،
 
كما أن نمط مواجهة المتغيرات بأسلوب فكري يعود المرء على تطوير مهارات التنظير والتجريد المنطقي، إلا أنه قد يتوهم أن النظريات تحل محل الواقع. نمط المثالية يجعل المرء ينظر إلى نفسه وإلى كل ما حوله على أسس مثالية، يسعى للالتزام بها ولكنه سرعان ما يصطدم بالواقع؛ فإما أن يزهد في الدنيا أويتطرف في ردود فعله لتحقيق ما يعتقده صواباً، أما التوازن فهو أن تكون كل المثل مراجعه القيمية التي يطمح للاقتراب من مقاصدها علماً أن السعادة ليست في الكمال، فلا كمال في الدنيا، وإنما في مصداقية السلوك لتحقيق التأقلم الأمثل والمتجدد.