الانزياح نحو التجزئة

زياد العناني

يبدو أن بعض النقاد العرب قد فضلوا ميزة الانزياح الى أسلوب جديد يكمن الآن في استظهار أدب التجزئة بكل ما في هذا الانزياح من خبث وتقسيمات ومثالب لا حصر لها.

أدب نسائي وأدب رجالي وآخر إسلامي ومثله مسيحي اضافة الى القبطي والكردي والطوارقي والنوبي وكل هذه الآداب مجتمعة بدأت تأخذ مكانها بيننا، منذ ثلاثة عقود، بعد أن اجتاح الفعل السياسي ومرجعياته الملغزة ليل مدوناتهم وصار مبدأ التصنيف هو النقد كله. هل ثمة أدب أقليات يتمدد في بيت اللغة العربية، أم أن كل هذه المسألة مفتعلة ويتم النظر فيها بعد فعل الكتابة ودس ما يمكن دسه من الضغائن والقلق في طياتها لغاية في نفس الناقد ومن يدفعه فقط. لنأخذ الشاعر والروائي سليم بركات، مثلاً، ونسأل هل كتب هذا المبدع كل مجموعاته الشعرية ورواياته المتعددة من أجل استظهار أدب كردي محض، كما يقول بعض النقاد؟ أم أن هذا الكاتب كان منحازاً الى الأدب العربي باختياره العربية ملكة تعبير بكل ما في هذه اللغة من حيل فنية وأساليب وأدوات تجريب لا حصر لها. بالطبع لم يخطر في ذهن سليم بركات ابداً أن يكتب أدباً كردياً وهو يعيش عروبته الكلية ليحصر نفسه ضمن لعبة سياسية يعي تماماً أنها مثل الرمال المتحركة تبلع كل من يحاول المشي على أطرافها
. نعرف تماماً أن الارث الأصلي للكاتب لا يمكن اغفاله، في فعل الكتابة، خصوصاً أن هذا الارث أكثر التباساً وأكثر تعقيداً وأكثر امتداداً من مسألة الانتماء الى جنس بشري محدد أو دولة أو حتى جذر ديني أو ايديولوجي أو حتى قصيدة أو رواية تكتب لانه بالدرجة الأولى إرث انساني يتواشج مع الوجود كله.

حين ننظر في كتابات «الشعوبيين»' بحسب التسمية القديمة لهم لا نجد اقراراً واحداً يدمغهم بهذا التوصيف وحين ننظر في الكتابات النقدية التي تناولت أعمالهم نجد الكثير من التهم الوهمية التي تجعل من الكتابة مجرد تحقيق معادلة سياسية تثبت بعض الأنساب أو تنزعها بطرح ما نراه وهو يلبس لبوس الشعوبية القذرة. ان نسيان أمر اللغة العربية التي يكتب بها الكاتب أو الشاعر ممن لم تحظ جذورهم بالتربة العربية يشكل مفارقة سيئة وصارخة لا يقف خلفها سوى الظلم والرغبة في تهميش الآخرين بسبب أعراقهم أو مذاهبهم خصوصاً اولئك الذين ساهموا مساهمة فاعلة في اثراء الأدب العربي من غير أن يتوقفوا عن المفهوم القومي أو الديني كما يتوقف عنده بعض النقاد العرب


zeyad_alanani@yahoo.com
طباعة