رغم قلتها وضعف جودتها شكلت إضافة بارزة في جهود التأريخ للمنطقة

صور الرحالة.. وثائق بصرية ترصد ملامح الحياة

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسّسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات اليوم وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


عبر الفترات الزمنية المختلفة كانت منطقة شبة الجزيرة العربية محل اهتمام الكثير من الرحالة والمؤرخين والتجار، وغيرهم من الفئات الذين حضروا إليها وحاولوا أن ينقلوا ما شاهدوه فيها من طبيعة وتضاريس وحياة إنسانية واجتماعية للسكان، سواء بتدوين مذاكراتهم، أو كتابة كتب ووثائق، ورغم أهمية ما سجلوه من تدوينات وملاحظات، فإن الصور التي تم التقاطها خلال رحلات هؤلاء، رغم قلتها وضعف جودتها، نظراً لأن التصوير كان حديثاً في تلك الفترة، شكلت إضافة بارزة في جهود التأريخ للمنطقة، وتعريف العالم بها في فترات كانت بالنسبة لكثيرين منطقة صحراوية صعبة التضاريس ومجهولة لهم. وهناك العديد من مجموعات الصور الرسمية والخاصة حول العالم لمنطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، بعضها بات معروفاً للباحثين والمهتمين بالتاريخ، والبعض الآخر مازال يحتاج إلى الاكتشاف للاستفادة منه في التأريخ للمنطقة.

رحلة في صور

من أشهر الصور الفوتوغرافية التي ألقت الضوء على المنطقة في وقت مبكر، مجموعة الصور التي التقطها الرحالة الشهير يوهان لودفيك بركهارت (1784-1817)، خلال رحلته إلى منطقة أبوظبي عام 1904، في مقدمتها صورة الشيخ زايد بن خليفة، في مجلسه المفتوح بجوار سور «قصر الحصن»، مع شيوخ آخرين ومواطنين، وصورة أخرى لقصر الحاكم أو قلعة الحصن في أبوظبي، وثالثة لسفن تقليدية في ميناء أبوظبي. كذلك تضمنت المجموعة صورة لحصان مزيّن بسرج فخم مطرز، قدمه شريف مكة لحاكم أبوظبي، وصورة لرجل يحمل آلة موسيقية بسيطة تشبه الربابة. هذه الصور وردت في كتاب «ذكريات شبة جزيرة العرب.. رحلة في صور»، الصادر عن «الأرشيف الوطني» للمؤلف باسكال غيل، إلى جانب صور أخرى تعود إلى فترات زمنية مختلفة. وترجع أهمية الكتاب إلى أنه وثيقة بصرية لما يحتويه من صور فوتوغرافية قديمة أخذت ابتداءً من منتصف القرن الـ19 حتى النصف الأول من القرن الـ20 من مجموعات خاصة وعامة، تعكس ذكريات شبه الجزيرة العربية في عالم مضى، وتتضمن مشاهد من الشوارع وصوراً لأشخاص ومناظر طبيعية وعجائب الماضي المعمارية وصور الحكام والشيوخ وعامة الناس. ويشير باسكال غيل في كتابه إلى أنه اقتفى آثار الرحالة الراغبين في الأشياء الغريبة والساعين وراء حلم الشرق، لافتاً إلى تنقله على مدى عامين تقريباً في أرجاء شبه الجزيرة، في ما يشبه رحلة عبر الزمن سعياً وراء إرث تصويري فريد من نوعه، ولكي يفهم الصور التي اكتشفها بشكل أفضل وليحيي هذا الأرشيف كله، وأخذ مكان هؤلاء المصورين الماهرين الذين تمكنوا من رؤية هذه اللحظات العابرة والإحساس بها وتخليدها. ونظراً لأنه ما من عمل مخصص للتصوير الشمسي يجمع الدول السبع التي تتألف منها شبه الجزيرة العربية، قام غيل بتخصيص لكل دولة من دول شبه الجزيرة العربية باباً مستقلاً ابتداءً من دولة الإمارات، التي رصد صوراً تاريخية لبعض قادتها التاريخيين القدماء ولملامح الحياة البرية والبحرية والنواحي الاجتماعية والاقتصادية والعادات والتقاليد. كما ركز الكتاب على الملامح التي عرفت بها كل دولة من دول شبه الجزيرة عبر تاريخها من خلال الصور.

صور من الإمارات

تنقل الصور التي يضمها الكتاب عن الإمارات ملامح من الحياة اليومية لسكان المنطقة، والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي كانوا يمارسونها، ومن خلالها يمكن للباحث أو القارئ أن يرسم في خياله شكل المجتمع في ذلك الوقت، مثل صورة لصيادين يلقون شباكهم على شاطئ أبوظبي عام 1959، وصور أخرى لسوق أبوظبي تعود إلى عام 1962، وتظهر فيها الدكاكين الخشبية على جانبي السوق، وأمامها وضعت البضائع المختلفة، إلى جانب صور لمبنى البنك الشرقي المحدود في العين عام 1963. كذلك تلقي الصور الضوء على وسائل التنقل في فترات مختلفة، مثل صور لقوافل الأبل وهي تحمل البضائع والأفراد لتجتاز الصحراء بهم وتنقلهم من منطقة إلى أخرى، وصورة تعود لعام 1958، للعبرات تجتاز خور دبي، بينما وقف على الشاطئ حمالون يقومون بنقل البضائع من السفن للميناء أو العكس، وصور أخرى لسفن تنقل سيارات وتعود هذه الصور إلى عام 1936، ومن العام نفسه، تضم المجموعة صورة لسيارة «غرزت» عجلاتها وهي تحاول اجتياز السبخة في مدخل أبوظبي، بما يعكس مدى صعوبة التنقل بالسيارات في تلك الفترة، نظراً إلى عدم وجود شوارع معبّدة. ولم تغفل الصور إلقاء الضوء على جانب من العادات والتقاليد السائدة بين أهل الإمارات، فتعرض صورة لرجل يقدم القهوة لعدد من الرجال في واحة ليوا، وصورة لصلاة عيد الفطر المبارك في أبوظبي عام 1962، ويظهر فيها الرجال وهم يؤدون الصلاة، في حين وقفت النساء خلفهم بمسافة. هناك أيضاً صورة لفتيات يؤدين رقصات شعبية في قرية الهيلي بالعين، وأخرى للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهو يشارك أهالي العين في رقصة تقليدية «الرزفة»، خلال إحدى المناسبات.

من المنع إلى الولع

لا يكتفي كتاب «ذكريات شبة جزيرة العرب.. رحلة في صور» بعرض مجموعة الصور على أهميتها، لكن يستعرض تاريخ التصوير الشمسي في المنطقة من منع الصورة إلى الولع بالبورتريه، عبر دارسة تحمل العنوان نفسه كتبتها منيرة خمير، من بدايات الصور السلبية التي صورت مناطق من شبه الجزيرة، خصوصاً مكة والمدينة المنورة، تجسيداً لرحلة الحج وأركانه، وما صاحب ظهور التصوير الشمسي في المنطقة من ذهول وتخوف ديني، وما تم طرحه من تفسيرات دينيه وعلمية للتصوير. موضحة أن العمل التصويري في البلاد العربية والإسلامية كان من صنع مصورين غربيين بشكل أساسي، وظهر المصورون المحليون أول مرة في أواخر القرن الـ19 في مصر وسورية.

وكانت هناك بعض الممنوعات التي تثقل كاهل المصورين الغربيين، وفق ما يشير الكتاب، إذ لم يكونوا فقط ملزمين بتقديم صور محددة، بل كانوا يستعينون بخدمهم أو مترجميهم للتنكر ودخول المجتمع، إلى جانب صعوبة التنقل من بلد إلى آخر إلا ضمن قوافل. بل والبعض منهم، وفقاً ما يذكر الكتاب في سرده لأبرز الرحالة الذين زاروا المنطقة، أن عدداً غير قليل منهم قام باعتناق الإسلام، وأطلق على نفسه أسماء عربية، وهو ما قد يرجع إلى تأثرهم بمن تعاملوا معهم من الناس، أو رغبة منهم في تسهيل اندماجهم في المجتمع، ومعايشة أهله والكتابة عنهم وتصويرهم بشكل واقعي.

تفاصيل

بدأ عصر الصورة في الخليج مع الصور السلبية الأولى للكولونيل المصري محمد صادق باي، والمستشرق الهولندي كريستيان سنوك هورخروني، ومحمد حلمي، وميرزا علي في مرحلة لاحقة، ليضفي أبعاداً أكثر زخماً بالتفاصيل للعديد من الروايات الأدبية التي كتبها رحالة قدموا إلى المنطقة عن مشاهداتهم في الخليج، خصوصاً في الأماكن المقدسة.

الصورة لغة

يقول المفكر الأماني والتر بنيامين: «إن إضافة حاشية ونص إلى الصورة تعدّ إلى حد ما إبرازاً لها، والتصوير منذ اختراعه أصبح تدريجياً لغة. والصورة لكونها تمثل مادة أو شخصاً غائباً، تجد وظيفتها داعماً لأحلام اليقظة».


• عدد من المصورين الأوائل الذين زاروا المنطقة قاموا باعتناق الإسلام، وأطلقوا على أنفسهم أسماء عربية.

• صور كتاب «ذكريات شبة جزيرة العرب» تحتوي على صور فوتوغرافية قديمة، أخذت ابتداءً من منتصف القرن الـ19.

طباعة