نقلوا عروضهم إلى الإنترنت للتخفيف عن المرضى

في زمن «كورونا»: مهرّجون يضعون كمامات ويضحكون عن بُعد

صورة

طوال 20 عاماً لم يعرف جاليفورد آدامز مهنة له سوى إضحاك الأطفال، كانت هذه وظيفته التي يتعيّش منها.

وكان هذا العمل يسير على وتيرة واحدة قبل ظهور جائحة «كورونا»، التي غيرت معالم مهنته ومعها قدرته على تقديم الفكاهة، وحاول أخيراً بعث جو من المرح عندما ملأ حقيبة كبيرة خضراء اللون بأدوات المهنة، للترفيه عن 10 من الأطفال المتململين الذين لم يصلوا إلى سن المدرسة بعد، وذلك بمركز للرعاية اليومية للأطفال في مدينة جلينديل بولاية كاليفورنيا لمدة ساعة تقريباً، وفجأة شعر آدمز بالقلق من أن الحيل التي سيقدمها لن تثير الضحك.

والسبب في هذا الشعور هو تساؤلات طرأت على ذهنه، منها هل يستطيع الأطفال فهم نكاته التي أصبح يتعين عليه أن يصيح بها من خلف كمامته؟ وهل يستطيعون متابعة حيله السحرية السخيفة وخفة يديه من مسافة التباعد الاجتماعي الآمنة؟ بل هل هم يريدون فعلاً البالونات التي على شكل حيوانات، بعد أن يتم تطهيرها بالمواد المطهرة؟

مثل هذه المخاوف تنتاب المهرج في زمن «كورونا».

ويقول آدمز وهو يضع في يديه زوجاً من القفازات البلاستيكية الزرقاء، محاولاً إخفاء عبوس وجهه الناتج عن القلق بابتسامة عريضة وأنف أحمر على شكل بصلة تم رسمه على كمامة قماشية بيضاء: «أشعر أن الجو كله غير مترابط إلى حد ما». ويضيف «إنك لا تستطيع أن تفعل كل شيء تريده».

وتحققت مخاوفه، حيث بدأ يوم الترفيه في مركز الرعاية بشكل متعثر، وكان آدامز يرتدي سروالاً مزداناً بنقط سوداء وبيضاء وحمالات حمراء، وقميصاً به مربعات وقبعة حمراء، وبذل جهداً مضنياً لكي يستطيع التواصل مع الصغار الذين كانوا يجلسون على الجانب الآخر من الحديقة بمسافة آمنة. ولم تلقَ أول دعابتين استجابة، وعندما لم تظهر حيلة سحرية أثرها المطلوب، بدأ المتفرجون الصغار يتململون في مقاعدهم.

وعندما لم يتمكن آدم من استخدام الحركات المثيرة والتفاعلات التي يعتمد عليها المهرجون للتواصل مع الصغار، بدأ يتصبب عرقاً تحت أشعة الشمس التي أخذت تزداد سخونة مع مرور الوقت في الصباح.

وتعرّض آدامز لدمار مالي من جراء جائحة «كورونا»، مثله في ذلك مثل بقية العمال الذين ليست لهم وظائف ثابتة، وكذلك من جراء التغيرات الحادة التي جلبتها الجائحة على الحياة اليومية، وقبل تفشي الفيروس كان بإمكانه أن يؤدي نحو ستة عروض طوال عطلة نهاية الأسبوع ويحصل على 1000 دولار. ويعد العرض الذي قدمه في فناء مركز الرعاية اليومية بجلنديل، هو الثالث من نوعه فقط منذ صدور الأوامر الاحترازية بالبقاء بالبيت. ومنذ ذلك الحين لم يقدم أي عرض آخر. ويشكو آدامز الذي يسكن في شقة صغيرة مع زوجته وطفليه التوأم، قائلاً: «يتعين عليّ أن أسدد قسط القرض العقاري، وكذلك قيمة الفواتير، ويجب عليّ أن استكشف كيفية العمل في عالم يهدده فيروس كورونا، ونحن جميعاً نحاول الإبحار في هذا العالم والخروج منه بسلام». غير أنه إذا كانت الجائحة قد أغلقت الحسابات المصرفية وأدمت الأنوف الزائفة للمهرجين، مثل آدامز، فإنها فتحت الباب أمام عارضين آخرين.

وحيث إن الجائحة اضطرت المستشفيات إلى إغلاق أبوابها أمام مقدمي الخدمات باستثناء الأطقم الأساسية، فإن المهرجين الذين كانوا يعملون في المستشفيات للترفيه عن المرضى نقلوا عروضهم إلى المنصات الإلكترونية على الإنترنت.

وكانت عروض المهرجين بالمستشفيات التي تعرف أيضاً باسم برنامج «رعاية المهرج» معروفة منذ 30 عاماً. وتوضح راكويل جيندري (‏51 عاماً)، قائلة: «في البداية لم يكن المجتمع أو الأطباء يعلمون شيئاً عن فوائد هذا البرنامج»، وأسهم البرنامج الذي تطبقه جيندري حول «رعاية المهرج» بالإكوادور في تدريب 200 مهرج متطوع قدموا عروضاً أمام نحو 300 ألف مريض على مدى 14 عاماً. وتقول جيندري بلغتها الإسبانية: «إننا لا نعالج، ولكن يمكن أن يطلق علينا اسم أطباء الروح، فاللهو والحب هما من الرغبات الموجودة في العالم كله، ونحن نستخرج الابتسامات من المرضى، ونلعب معهم، حتى ينسوا ولو للحظة أنهم موجودون داخل مستشفى». وتسهم برامج «رعاية المهرج» في أحسن حالاتها في تحقيق الاسترخاء للمرضى وإبعاد تفكيرهم عما يعانونه من أمراض، وأكدت العديد من الدراسات السريرية فاعلية هذه البرامج خصوصاً بين الأطفال، في الحد من مشاعر الخوف والتشكك في إمكانية العلاج من مرض يهدد الحياة. وبينما أفقد الانتقال إلى المنصات الإلكترونية الاتصال المباشر والتلقائية في العروض، فإن الجائحة أدت على أية حال إلى فقدان الكثير من هذه المزايا السابقة، كما أنها سمحت للعارضين بأن يروا أن هناك مزايا معينة في تقديم العروض من بعيد.

ولايزال المهرجون الذين يقدمون عروضهم على مواقع الإنترنت يضعون أنوفاً حمراء وقبعات ويستخدمون الأدوات نفسها، غير أن عروض الإنترنت تتيح لهم تغيير الخلفية والتلاعب بزوايا الكاميرا والتحرك بين اللقطات. والأهم من ذلك أن عروضهم الافتراضية تدخل المستشفيات التي لا يستطيعون دخولها بأشخاصهم. والآن يمكن تقديم هذه العروض الافتراضية لأي مكان في العالم، بما فيها مراكز رعاية المسنين التي ضربتها الجائحة بشدة. وفقدان العمل هو أحد التحديات التي يتعين على المهرجين أن يتعاملوا معها، والتحدي الآخر هو أن يتعلموا كيف يقدمون عروضهم وسط الظروف الحالية التي أصبحت هي الواقع الطبيعي الجديد، أي بارتداء الكمامات والالتزام بالتباعد الاجتماعي.

ويقول آدمز الذي يقدر أنه قدم طوال حياته 4000 عرض: «يجب أن أغير من طريقة عروضي».

وهو يرى أن تقديم العروض بالأسلوب القديم غير مقبول ما دام الفيروس موجوداً، ومن هنا فإن آدمز يصر على وضع كمامة وقفازات، ويشجع الكبار من حوله على الاقتداء به. كما يرى أنه يكفي أن تقدم هذه الإجراءات الاحترازية نموذجاً للأطفال الذين قد يتعين عليهم التعايش مع الفيروس لفترة من الزمن.


عروض المهرّجين في المستشفيات معروفة منذ 30 عاماً.

جيندري: «نحن لا نعالج، بل نستخرج الابتسامات من المرضى».

طباعة