كُتّاب إماراتيون رأوا أن الأزمة جعلت الناس أكثر ثقة بالإعلام المهني

في أزمة «كورونا»: «الخبر الرسمي» يتصدر المشهد و«المؤثرون» يختفون

صورة

أجمع إعلاميون وكتّاب إماراتيون على أن انتشار فيروس «كوفيد 19» وجّه اهتمام الناس إلى المنصات الإعلامية ذات الصدقية لتقصي الخبر الحقيقي، مبتعدين عن متابعة منصات المؤثرين ومشاهير التواصل الاجتماعي، الذين أثبتوا في ظل هذه الأزمة العالمية أن كل ما يقدمونه على منصاتهم يهدف إلى تقديم صورتهم فحسب، أو حتى للترويج والإعلان. ولفتوا إلى أن هذه الأزمة حركت وعي الجمهور، وصوبت البوصلة إلى التوجه الصحيح لمصدر المعلومة، مؤمنين بضرورة عمل الإعلام على استثمار ما يتمتعون به من مهنية وصدقية على نحو دائم للبقاء في الصدارة وجذب القراء، وبضرورة توجه الجهات المعنية إلى دعم الإعلام أولاً.

هذا وقد تميزت منصات المشاهير خلال الفترة الأخيرة بالمحتوى الشخصي والقليل جداً، إذ بدلاً من الإطلالة على المتابعين بفيديوهات قد تفيد في تقديم بعض الإرشادات حول ضرورة التعقيم أو التزام المنزل، إلا أنهم توجهوا لعرض تفاصيل حياتية قليلة فقط، لاسيما بعد قيام البعض بتقديم معلومات خاطئة.

الكاتب محمد يوسف لفت إلى أن هذه الأزمة تعد عملية تصحيح للمفهوم الإعلامي، وعودة الإعلام ذي الصدقية بكل أنواعه، المسموع والمرئي والمقروء، إلى جانب المنصات الصادرة عن هذه المؤسسات، فهي جميعها أثبتت أنها الوسائل التي يعتمد عليها الناس لاستقاء الخبر. ولفت يوسف إلى أن الإعلام الأصيل، الذي أطلق عليه الإعلام التقليدي من خلال المنتفعين من وسائل التواصل الاجتماعي، هو فعلياً الإعلام المهني، وهو الذي انتصر، فمن يعملون بوسائل التواصل لن يكونوا إعلاماً بديلاً، لأنهم لا يعرفون بأصول هذه المهنة، ومنها التأكد من الخبر، والدقة والصدقية في نقله، والشفافية في طرح المعلومة. ووصف يوسف متابعة الناس للإعلام بدلاً من المؤثرين بمرحلة العودة للإعلام، متمنياً على الجهات المسؤولة من وزارات ومجالس إعلام أن تدرس هذه الحالة، وتعيد النظر في ترك وسائل الإعلام الموثوقة تعاني الأزمات، ومنها ما يصل إلى حد الاختفاء عن الساحة، لأننا سنعيش وضعاً خطراً في حال اختفى الإعلام الأصيل، وظهر الإعلام البديل والجديد أو الحاضن للشائعات. واعتبر يوسف أن هذه الصحوة ستبلغ الجميع، فحتى أصحاب المنصات على وسائل التواصل الاجتماعي يستقون أخبارهم من الإعلام الأصيل، لأن البديل أثبت فشله، وليس هذا من باب معاداة الإعلام التكنولوجي، مشيراً إلى أنه مع المنصات التابعة لصحف، أو يطلقها متمرسون في المهنة، يعرفون أخلاقياتها وأسسها. وأسف يوسف على اعتماد بعض الجهات المسؤولة على المؤثرين، معتبراً أن هذه الجهات ارتكبت أكبر خطأ بحق نفسها والمجتمع، لأن هؤلاء مشاهير في الترويج لمطاعم ومقاهٍ وأزياء وغير ذلك، ولكنهم ليسوا مؤهلين للترويج للدولة ومنجزاتها، ولا يجب أن يتم وضعهم في خانة الإعلام، فللإعلام ناسه. ولفت إلى أن هذا الالتفاتة من الجمهور قد لا تدوم بعد انتهاء الأزمة، وقال: «اعتدنا أن تصلح الأمور نفسها بنفسها، لأن الأجهزة المسؤولة عن الإعلام في الدول العربية لم تعد تتعب نفسها، فتترك الأمور تسير كما هي، ولا تدرس الواقع، فكان يفترض دراسة الواقع بعد (الربيع العربي) في 2012، وكل ما ألمّ بالدول العربية من قضايا وظواهر كبيرة، ولكن للأسف يتم الإمساك بالقشور، والحديث عن منجزات، فكورونا يعطي درساً مجانياً في كيفية التعامل مع الخبر والحدث، وليت الجميع يتعلم».

وتحدث الكاتب الإماراتي ناصر الظاهري بهذا الخصوص، وقال: «حين يكون حديث الساعة مرتبطاً بالقضايا الأساسية في الحياة لا يتصدر له الإعلام الجديد، الذي يتسم بكونه قليل الصدقية، ولا مرجعية له، كما أنه لا يمكن محاسبة أي منهم على ما ينشرون، فيمكنهم أن يطلقوا المعلومات، ويُترك للمتابع البحث عن صحتها». ولفت إلى أن مشاهير التواصل الاجتماعي يسعون فقط للظهور، فيبثون أخباراً جديدة بهدف المحافظة على ظهورهم، والسبب الأساسي في ابتعادهم هو إما أنهم أجبروا على أن يسكتوا بسبب الإشاعات التي كثرت عنهم، وإما أنه من الأساس كان الشك بهم موجوداً لدى الناس، وازداد يقينهم بهذا الشك فيما يصدرونه. وشدد الظاهري على أن الإعلام التقليدي لا يجب أن يركن إلى الظروف التي تساعده، بل عليه التطور من داخله، مشيراً إلى أن السرعة والتجديد والاستعانة بالوسائل الجديدة الذكية كلها أمور يجب ألا تغيب عن الإعلام التقليدي كي لا يهرم. واعتبر أن الإعلام التقليدي يحمل الصدقية بفعل تراكم السنوات، ولكن هذه الصدقية قد لا تصل إلى المتلقي بالسرعة التي تصل بها وسائل التواصل الاجتماعي، فلابد من امتطاء كل ما هو رقمي، وقد تكون الأحداث هزة للجمهور، لأنهم تعودوا على متابعة المُثير من الأخبار التي لا يقدمها الإعلام التقليدي، فهي هزة لإعادة الوعي بالأمور، ولابد أنها ستؤثر.

في السياق ذاته، رأى الإعلامي عادل الراشد أن المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، الذين وصفهم بالمتطفلين على الإعلام، سيستمرون ما بعد الأزمة، مشيراً إلى أنه في بداية الأزمة خرجت الشرائح الطفيلية، ودخلت على خط الأخبار، ونشر الشائعات، ومحاولة الحصول على السبق والأخبار المضللة، ولكن فيما بعد لجأ الناس إلى الإعلام الرصين، الذي يستند إلى معلومة موثوقة من جهات رسمية، وبالتالي فالوضع في القطاع الإعلامي يتجه إلى الرشد، متمنياً أن يستمر الرشد، فالأزمة خلقت نوعاً جديداً من الوعي لدى الكثير من الجمهور ليكون أكثر ثقة بالإعلام المهني. ونوه بأن الناس لم تكن لتلجأ إلى هذه الشريحة الطفيلية إلا عندما خفت همّة الإعلام المهني في نقل الرسالة. ولفت إلى أن المطلوب من جانب القراء هو الوعي، وأن تعي المصادر دور الإعلام، فكل صحيفة لديها المعايير المهنية المنضبطة، فالمسؤولية تقع على المصادر لتنشيط وسائل الإعلام المهنية. أما استثمار الإعلام لعودة القراء، فلفت الراشد إلى أنه عليه أن يكون أكثر جرأة في الوصول إلى المصادر، بدلاً من التعامل الافتراضي معهم، معتبراً أن الأزمة خلقت وعياً لدى الجمهور، دون أن ينفي غياب التطفل، وغياب الآذان الصاغية له بعد انتهاء الأزمة.

من جهته، الروائي والإعلامي علي أبوالريش، قال إن «الأزمة زادت من وعي الناس، وكشفت لهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن المعلومة لا تؤخذ إلا من المصدر الصحيح، وهذا لن يكون لمرحلة راهنة فقط، فالآن وعي الناس بدأ يتسع، وهم على وعي بأن كل شخص يستطيع أن يتحدث عبر منصات التواصل الاجتماعي دون أي خلفية مهنية، إضافة إلى أن المزاج العام يلهث وراء المظاهر الاجتماعية، فبات الناس يتابعون هذه الفقاعات». ولفت إلى أنه رُب ضارة نافعة، فقد تؤدي الأزمة إلى ترسيخ وعي الناس أكثر بمبدأ أن ليس كل ما يلمع ذهباً، فالتواصل الاجتماعي قد يستبق الإعلام الرسمي، ويزهو باللحظة، ولكن المرحلة اليوم ناضجة، والذهنية تعي ما يحدث في العالم. وراهن أبوالريش على استمرار هذا الوعي، معتبراً أن الجمهور خرج من المراحل الرمادية، مشيراً إلى أهمية استثمار الإعلام لهذه اللحظة، وأن يوجد التجديد في نفسه، فلا يكون مجرد ناقل للخبر، بل أن يصبح صانعاً للخبر، فالإعلام لابد أن يكون متوازياً مع وعي الناس، فيتقدم بالأحداث ويتنبأ بها من خلال القدرة الاستقرائية للإعلامي النشيط والواعي. وأكد أن ما يحدث يؤكد أهمية الإبقاء على الصحف الورقية، لأن إغلاقها هو إقفال للعقل، فالصحف الورقية حين تدار من عقول قادرة على التجديد.

من جهتها، الكاتبة عائشة سلطان اعتبرت أن الوعي عند الإنسان يتكون بطريقة تراكمية، ولكن أحياناً الحاجة تدفع الإنسان إلى السعي للمعرفة، فاليوم الجميع يذهب لمواقع الأخبار والمواقع الصحية، لأن الأخبار مفيدة، أو يجدون فيها ما يطمئنهم، فهي علاقة مصلحية وبراغماتية، مشددة على أن الوعي يأتي في الحالة الاختيارية، والمواطن اليوم ليس مخيراً بل هو مضطر، وإن بقي هذا الوعي ما بعد الأزمة، سيتم التأكد مما إذا كان الوعي حقيقياً أم لحظة طارئة نتيجة ظرف طارئ. ولفتت إلى أن الإنسان الواعي هو الذي يبحث عن المعرفة في لحظات الرخاء، منوهة بأن الإنسان اليوم يقف أمام سؤال وجودي كبير، فالناس تفكر في الخلاص والنجاة، وبالتالي هذا بالطبع انعكس على ما يتابعون. وأكدت أن نفور الناس من الإعلام التقليدي سببه الرسائل التي تقدم للناس، ففيها الكثير من الضعف، وإن كان المؤثرين يستحوذون على الحصة الكبيرة من الجماهير، فهذا ليس شرطاً بأن تأثيرهم إيجابي، فالتأثير قد يكون سلبياً أيضاً. ولفتت إلى أن الإعلام الرسمي يقدم محتوى ضعيفاً، ولهذا يجب التوجه إلى تقديم محتوى إعلامي جاذب، فهناك أشكال ضعيفة من البرامج التي تسرق وقت المشاهد فقط، فالإعلام عليه أن يخرج من هذا الضعف في البرامج الاجتماعية الموجهة للناس، فالمجتمع مليء بالمشكلات والقضايا، وعليهم أن يطرحوا على أنفسهم أسئلة حول ما يريده الجماهير، فالمجتمع حديث ومركب، ومدينة ما بعد الحداثة مليئة بالقضايا والأسئلة، معتبرة أن الناس تخطوا الإعلام بمراحل في الأسئلة والقضايا التي يعجز الإعلام عن تقديم الأجوبة لها.

الأزمة ستكون درساً

الكاتبة الإماراتية ميرة القاسم عبّرت عن استيائها في بداية الأزمة من بعض «الفاشنيستات» والمؤثرين وتصريحاتهم، التي لم يكن لها معنى سوى الترويج لأنفسهم، مع غياب الكلام المنطقي أو العلمي، فكل ما يصدر عنهم هي معلومات قد تكون أخذت من بعض الجهات في دول تفشى فيها وباء كورونا. وطالبت القاسم بأن تكون هناك جهة واحدة أو مصدر واحد يتصدى للشائعات، ويقدم الخبر الصحيح، وأكدت أن الأزمة ستكون درساً، ليس للمرحلة الراهنة فحسب، وإنما فيما بعد أيضاً، فهي تجربة ستعلمنا الكثير، معتبرة أن الإعلام في الإمارات حذا حذواً جميلاً. وأكدت القاسم أن دعم الإعلام مهم في المرحلة المقبلة، فالمرحلة الراهنة تتطلب دعم الجميع لبعضهم بعضاً، مشيرة إلى أنه فيما بعد سيدرك الناس من أين يأخذون المعلومة. ونوهت القاسم بضرورة عدم التهاون في التزام ما يتم التوجيه إليه من قبل الحكومة، لأنها مسؤولية اجتماعية وواجب وطني.

طباعة