من طاهٍ عائلي في عمر العاشرة إلى مُحكِّم دولي

الشيف محمد البناء.. يطمح إلى العالمية بـ«نَفس» إماراتي خالص

صورة

بشغف يتحدى السائد، وبطموح إضفاء «النَفس» الإماراتي الخالص على دنيا المذاقات، دخل المواطن محمد البناء عوالم الطهي، منذ مرحلة مبكرة من حياته، ليصير «شيف العائلة» وهو في العاشرة من عمره، وتخطى الأمر حدود الهواية، ليطرق باب مدرسة في دبي لتعلم فنون الطهي، والسفر إلى 60 دولة للاطلاع على أسرار أطباق من الشرق والغرب.

ويروي البناء لـ«الإمارات اليوم» حكاية عشقه لذلك العالم الذي ارتبط به ومارسه في عمر الـ10 سنوات بتشجيع من أهله وأصدقائه، مضيفاً: «قادني شغفي لهذا العالم للقراءة والبحث والاطلاع على التجارب المتباينة، للتعرف أكثر إلى المطابخ عالمية، وتولّدت بداخلي رغبة وأمل في أن أنجح في تقديم الأكلات الإماراتية الشعبية إلى العالم بطريقة عصرية، وأتخذ من عالم المذاق دربي الذي لا أريد الخروج عنه، حتى تمكنت منذ أشهر قلائل من الحصول على رخصة محكّم في الأطعمة الحارة على مستوى العالم».

بين الطهي والقانون

ويؤكد البناء أن طموحه لا يعرف المستحيل، لذلك يحاول استثمار كل دقيقة في حياته، إذ جمع بين دراسة فنون الطهي والقانون، ليكون يومه مقسماً بين أكاديمية فنون الطبخ ودراسة المواد القانونية، ليتمكن من تحقيق طموحه المزدوج بحصوله على شهادة جامعية عالية في القانون، وإنجازه لما ظل يحلم به، ويطمح إلى تحقيقه في دنيا المذاق.

ويشير إلى أن والديه وأصدقاءه وكل أفراد عائلته اقتنعوا بموهبته ومهاراته في الطبخ، وشجعوه على المضي قدماً في طريق مستقبله المهني، ليكون شيف العائلة في كل مناسباتهم السعيدة، من أعياد ميلاد وأفراح وولائم رمضانية.

ويقول البناء إن «سفري إلى أكثر من 60 دولة جعلني أقترب أكثر من عادات الشعوب في إعداد الأكلات الشعبية، فمثلاً سافرت إلى جنوب إفريقيا لأتعلم طريقة إعداد وتحضير اللحوم المجففة، كما زرت تايلاند لأدخل إلى مدارسها الشعبية، وأتعرف إلى أطباقها المميزة وأسرارها، وأحاول إعادة إعدادها بطريقتي الخاصة بنفس إماراتي خالص. فالسفر أكسبني خبرات كثيرة كنت أحتاج إلى سنوات طويلة لاكتسابها، ما جعلني قادراً على وضع نظريات جديدة للمطبخ العربي الممزوج بالنكهات والمذاقات العالمية».

هوى إيطالي

وعن المطابخ المفضّلة له، يذكر الشيف الإماراتي أن في مقدمتها المطبخ الإيطالي الذي يجيده، خصوصاً الأكلات التي تعتمد على التوابل والأعشاب، القريبة من المطبخ الشرق أوسطي، الممزوجة بنكهة الزعتر البري والريحان ومذاقات صلصة الطماطم، معتبراً أن «هناك تشابهاً بين الأكلات العربية والعالمية، ولكن هناك إضافات واختلافات بسيطة يمكن أن تضيف إليها نكهات مختلفة، فمثلاً عندما ذهبت إلى بنغلاديش وجدت الطهاة يضعون السكر بدلاً من الملح على الأرز واللحم، وكذلك في مطاعم منغوليا يقدمون مشروب الشاي ممزوجاً بالملح وخالياً من السكر».

ويرى أن «السر وراء أي طبخة مميزة دائماً هو أن تصنع بمزيد من الحب، وهذا في الغالب ما يميّز ما تطهوه الأم، لأنها تتفانى في صنع طعام ممزوج بحبها لأبنائها، ما يضفي عليه نكهة مميزة، وهذا ما يطلق عليه (النَفَس)».

هدف ورسالة

ويؤكد البناء أن «على الطهاة في كل مكان بالعالم أن يدركوا أن في عملهم رسالة إنسانية هدفها المساعدة والدعم وإدخال السرور في نفوس من حولهم، فقميص الطاهي الأبيض هو دلالة على العطاء والحب والصفاء»، لافتاً إلى أنه لذلك يسخّر بعض ساعات عمله في خدمة مجتمعه من خلال مشاركاته التطوعية في مناسبات وأحداث هدفها رسم الابتسامة على وجوه قاطني الإمارات من مختلف الجنسيات، ومنها مشاركته في المسابقات التي تنظمها جمعية الإمارات للطهاة، وفعالية حول العالم التي نظمتها جمعية الشارقة الخيرية، التي جمعت بين طهاة من 10 دول، وكذلك المشاركة التطوعية في الأعراس الجماعية للأيتام، والولائم المجانية التي تستهدف فقراء وفئات بعينها.

تحديات

وعن الصعوبات التي تواجه الرجل، خصوصاً الإماراتي الذي يعمل في عالم الطهي، يقول البناء إن «بعض الأفكار النمطية، ترى أن المواطن لا يصلح في هذه المهنة، ولا يستطيع التميز في هذا العالم الذي يحتاج إلى العزيمة والصبر، إضافة إلى نقص المدارس المتخصصة في الإمارات التي تستوعب عشّاق المطبخ من الشباب الإماراتي، وشخصياً واجهتني العديد من المواقف، خصوصاً مع بعض من يتعجبون من طبيعة عملي، ولن أنسى نظرة التعجب والاندهاش من أحد الرجال: كيف أرضى بالعمل طباخاً؟ وحاولت أن أشرح له أنني شيف، وهناك فارق كبير، وأن مهنتي قائمة على دراسة أكاديمية جادة، وتحتاج إلى مهارات خاصة لا تتوافر في كثيرين».

وعن مشاركته في فعاليات مؤتمر كونغرس الطهاة العالميين 2018 في العاصمة الماليزية كوالالمبور، يضيف البناء أن المؤتمر يعد من أبرز الفعاليات الدولية التي يلتقي بها المئات من محترفي طهاة العالم من أكثر من 190 دولة، مؤكداً أن اختيار إمارة أبوظبي لاستضافته عام 2022 يعد إضافة وفخراً للإمارات والدول العربية، خصوصاً أن المكانة العالمية التي وصلت إليها الإمارات، وتربعها على قائمة أفضل وجهات للجذب السياحي، جعلها تحتضن الكثير من مهرجانات الضيافة والمأكولات المتواصلة على مدار العام، وهذا الفوز يمثل إضافة حقيقية لعالم المطبخ وعالم الضيافة في الإمارات.

صورة مشرفة

دعا الشيف محمد البناء الشباب الإماراتي، الذي يحمل شغفاً بعالم الطهي إلى تنمية هذا الشغف وتحويله إلى مهنة، لأن هذا المجال مازال يحتاج إلى إسهامات أبناء الوطن، لافتاً إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً في فكر الشباب والأسر الإماراتية، إذ دخلت بعض الأسماء في هذا الميدان، بعد أن كان الآباء يسعون إلى إلحاق أبنائهم بمجالات محددة، مثل الهندسة والطب والطيران وغيرها، وكان قليل من الأهل من يقبل أن يدفع نظير دراسة ابنه أو ابنته في مدارس الطهي، وهي مكلفة. وتمنى البناء أن يخدم وطنه من خلال تقديم فكر متحضر راقٍ عن عالم المطبخ في شتى أنحاء العالم، وإيصال صورة مشرفة للعالم عن الطاهي الإماراتي.


60

دولة، سافر إليها

البناء، للتعرف إلى

أسرار وفنون أكلاتها.

- «أحلم بأن أنجح في تقديم الأكلات الإماراتية الشعبية إلى العالم بطريقة عصرية.. والسر وراء أي طبخة مميزة هو أن تصنع بمزيد من الحب».

- أسخّر ساعات من عملي لإضفاء البهجة على الآخرين، فقميص الطاهي الأبيض هو دلالة على العطاء والحب والصفاء».

طباعة