الشلوخ .. «بوتكس» سوداني -إفريقي للجمال والشجاعة

    بين الزينة والطب والرمز الديني والجمالي، امتدت رحلة «التاتو» لآلاف السنين، في مسار طويل من الرمز، رافقت الإنسان البدائي منذ عصوره الأولى، لتعكس جزءاً من ثقافته وموروثه الشعبي، حيث استخدمه المصريون القدماء كعلاج، ظناً منهم أنه يبعد الحسد، فيما اتخذته بعض الشعوب كقربان لفداء النفس أمام الآلهة. كما كان الوشم تعويذة ضد الأرواح الشريرة، ووقاية من أضرار السحر.

    كما استخدم الوشم لتحديد الانتماء القبلي، وتمييز مجموعة بشرية معينة عن غيرها، ويتضمن الوشم استعمال أدوات حادة ومواد كيميائية ملونة، يتم إدخالها إلى الطبقة الجلدية العميقة، ما يضمن بقاءها الطويل.

    وتعد عملية الوشم - في قبائل وسط إفريقيا - عملية دقيقة جداً، ولها قواعدها وأسسها وطقوسها، والوشم هنا أقرب إلى شق وشرط الجلد واختراقه وتشطيبه، وهو وسم أقرب منه إلى الوشم .

    الشلوخ السودانية.. جمال تغزّل به الشعراء

    عرف السودان الشلوخ منذ القدم، خصوصاً في أقصى الشمال، ويرى مؤرخون أنها بدأت منذ عام 750 قبل الميلاد، وهي علامات على شكل خطوط على الوجه، بعضها على هيئة خطوط أفقية مستقيمة، وأخرى مائلة، وبعضها هلالية الشكل عند الرجال والنساء.

    ويرجح أن الشلوخ كان علماً طبياً علاجياً، يستعمل لغايات تخفيف الألم في المنطقة المضطربة من الجسم، حيث كانوا يعتقدون أن هذه الندوب والعلامات، التي تحدثها عملية الشلخ، تحمي من أمراض العيون والصداع وأمراض الرأس، كما تسهم في استخراج الأورام، حيث إن الندب يخرج كل السموم الداخلية الموجودة في جسم الإنسان، لكن مع مرور الزمن تحولت الشلوخ إلى رمز قبلي وجمالي، وأصبح السودانيون يستعملونها للتمييز بين قبيلة وأخرى، وأيضاً بقصد الزينة، وتختلف الشلوخ من قبيلة إلى أخرى، وهي سمة مهمة تميز العرق العربي عن سواه من الأعراق السودانية المتنوعة، كالزنوج والنوبيين، وتنفرد قبيلة الشايقية بشلخ أو خدش خاص بها، وهو عبارة عن ثلاثة خطوط أفقية متوازية، يمتد أوسطها من عند الفم حتّى أقصى الخد. فيما تأخذ قبيلة المنداري، الموجودة في منطقة تيركاكا، شكل ثلاث سبعات (777) على الجبهة، وهذا النوع يستخدم في حالة المرض، أو إذا كان جسم الشخص نحيلاً، ولا يتحمل المزيد من الشلوخ.

    واتخذت الشلوخ لدى قبيلة النوير، المستقرة في ولايات أعالي النيل، شكل العادات والتقاليد، يتوج بها المراهقون في مرحلة الشباب، ويتم الشلخ على شكل خطوط على الجبهة، تصل إلى 6 أو 7 خطوط.

    ويتم الشلخ في مجموعات، وعندها يتم عزل المشلخين عن بقية الشباب، ولا يجوز لهم الاقتراب من المراعي، إلى أن تقيم القبيلة لهم احتفالاً، لإعلان انضمامهم إلى أفرادها.هذا الاحتفال يقام بعد شهر من التشليخ، وفيه تعد أسر المتوجين الذبائح، ولا يسمح لهم بالاقتراب من مجتمعهم إلى أن يغتسلوا في البحر، وبعدها يمارسون حياتهم العادية، وتهدى لهم أثناء الاحتفال الأدوات الحربية القديمة،باعتبارهم المحاربين الجدد للقبيلة، كما ينالون إعجاب الفتيات، ولا يُسمح للآخرين بوصفهم بالصبيان، حتى إن كانوا صغاراً في السن.

    وتتم عملية الشلوخ عادة للرجال في سن مبكرة، وتؤخر عند الإناث، حتى يبلغن العاشرة من العمر، حيث تقام طقوس احتفالية لهذه المناسبة، بعدها يعتبر الخاضعون لتلك العملية القاسية والمؤلمة - التي تستخدم فيها آلات حادة كالموس، والسكين، قد انتقلوا من طور الصبا إلى مرحلة الرجولة، وتكون البنت قد أصبحت فتاة مؤهلة للزواج، وإنجاب أبناء.

    ورغم أن عملية الشلخ تخضع لمراحل قاسية، فإن الفتيات كن يتحملنها بجلد وصبر شديدين، ويترقبن مراسمها وطقوسها بفرحة عارمة، حيث تقوم امرأة معينة وبمعونة نساء قويات البنية متخصصات، بالإمساك بأذرع الفتيات، لمنعهن من المقاومة حتى انتهاء العملية.ثم يقمن بحشو القطن المبلل بالقطران في الجرح، ما يفاقم الألم ويزيده، فتصاب الفتاة بحمى شديدة، وتظل لأسابيع عدة تعاني الآلام المبرحة، من تورم واحمرار على الخدين، وتعتبر ذات الشلوخ العريضة قديماً الأكثر جمالاً.

    ومازالت عملية التشليخ مهنة فنية دقيقة، تقوم بها شلاخات متخصصات، يتوسمن في صنعتهن ما يرضي الذوق، وما يناسب وجه المرأة، ولوحظ أن عامة السودانيين كانوا يفضلون الشلوخ الطويلة العريضة والعميقة، المرسومة على وجه عريض أو مستدير ومكتنز باللحم، إذ إنها تبدو منتفخة، ومن ثم أكثر جاذبية من المرأة النحيفة.

    ومجد الشعراء هذه العادة، وصوروا «الفتاة المشلخة» في أبهى صور الجمال، كما أسهم فن الغناء في السودان في انتشار تلك العادة، بالتغني والتغزل في الخدود المشلخة، مثل الشاعر السوداني المعروف عبدالرحمن الريح في أغنيته «أنت حياتي»،حينما كتب: «ماشوهوك بفصادة علي الخدود السادة طبيعي خلقة ربك ما دايرة زيادة مع لونك الأسمر ورد الخدود محمر لا بودرة لا أحمر».

    «الأزاندي».. «بوتكس وفيلر» للجمال والشجاعة

    عادة الشلوخ ليست قاصرة على السودانيين فقط، كما نظن ونعتقد، فقد أكد علماء الأنثروبولوجيا ودارسو الأجناس البشرية، أن هذه العادة منتشرة جداً في القارة الإفريقية، خصوصاً لدى قبائل الأزاندي اليوم،التي تقيم في المنطقة الشمالية الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وشمال شرق جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث كانت تعتبر الخدش أو الشلخ يعطي راحة نفسية وروحية، فإخراج الدم من الجسد ومشاهدة هذه الدماء، يرمز لديهم إلى الطاقة والحيوية، كما يعبر عن الوفاء بالعهد الذي لا يجب نقضه، حيث يتعاهد أفراد القبيلة - في ما بينهم - على الصداقة عن طريق الدم.

    فينتزع كل واحد منهما سكينه ويجرح به صاحبه في بطنه فوق الصرة، لأن الروح قريبة من هذا المكان، لذلك فإن عقاب الدم حينئذ يكون أقسى على الخائن منهما، ودور حد السكين هو مهاجمة الروح الشريرة والتطهير منها، والدم الذي يخرج من الجسم هو عبارة عن طرد للروح الشريرة، وعند سيلان الدم من بطنيهما يحضران قرناً من الفول السوداني، يحتوي على حبتين، ثم يقومان باستخراج الحبتين، وتقسمان لتكونا أربعة فصوص. ثم يغمس كل واحد منهما هذين الفصين جيداً في دم صديقه، ويعود فيغمسهما في ملح يصنعونه محلياً من رماد بعض الأشجار ثم يأكلانهما،ويجب ألا يقربا النساء حتى يبرأ جرحهما، وينامان في هذه الفترة على الأرض، مفترشين أوراق شجر الداما، وتترك الجروح بعد التئامها آثاراً وندوباً علامات، تشكّل في مجملها الوشوم أو الوسوم أو الخدش، والتي ترمز إلى الوفاء والإخلاص والشجاعة.

    وهناك نوع آخر من الخدش يعرف عند الأزاندي، وهو الفصد يقولون عنه «آزى»، وكانوا يستعملون إبرة طويلة من الحديد تسمى «مبيريكي»، وسكين «سابي»، فيقومون بإدخال الإبرة تحت الجلد، ليرتفع عن مستواه، فيقطع حينئذ بالسكين، وكان الذي يقوم بعملية الفصد هذه، يمسك السكين باليد اليمنى، والإبرة باليد اليسرى.

    ولم يقتصر الفصد على الرجال، بل كانت تفعله حتّى للنساء، ويقومون به دون أن يتضمن أي مراسم طقوسية، وكان الفصد التقليدي عند الأزاندي يكون في الظهر والبطن، والفصد على الظهر من كلتا ناحيتي السلسلة الفقرية، ثم ينحنيان عند الخاصرتين، حتى يلتقيا عند الصرة في صورة خطين من الناحية اليمنى، وخطين من الناحية اليسرى، وهناك شكل آخر يكون على البطن، وهو عبارة عن خطوط رأسية زوجية على جانبي الصرة، أو فوقها أو تحتها، ووظيفتها ترتبط بفكرة مراسم النار عند الموت .

    وتعتبر عمليات الخدش والوشم والسلخ مؤلمة جداً، نظراً لعدم استعمال مواد مخدرة تسكن تلك الآلام، فالألم هو الغاية المنشودة التي تتحول في لحظة معينة إلى لذة ونشوة، لذّة الانتصار على هذا الألم، والنشوة بإظهار الشجاعة والقوة والرجولة أمام الآخر، خصوصاً الجنس المقابل، كما أن قدرة الإنسان البدائي الإفريقي على تحمل آلام عملية شق الجلد، ترتبط في الأساس بمعتقد اكتساب قوى سحرية، وتستعمل لذلك أدوات حادة لتشريط الجلد وخدشه، وبقدر ما تكون طاقة الفرد على تحملتلك الآلام الحادة كبيرة، يكتسب قوى سحرية روحانية، تمكّنه من السيطرة على الآخر.

    طباعة