شارلي شابلن..الحزين الذي أسعد العالم

اضحك العالم في كل الأوقات حتى في زمن الحرب والبكاء، أخفى همومه وتعاسته وفقره ويتمه في قبعته السوداء ليحولها كالساحر بلمسة عصاه إلى نجاح وعبقرية وعظمة، انه شارلي شابلن " رجل أوروبا البائس " وسيد الشاشة الصامتة.

طفولة شابلن...جوع ويتم

ولد شارلي سبنسر شابلن، في ضاحية "والوورث " وهي الأكثر فقرا وبؤسا في لندن في 16 أبريل 1889م، وهو يذكر، بأن طفولته تشبه الطفولة التي رسمها الروائي الانجليزي تشارلز ديكنز في رواياته العديدة... حيث يذهب الطفل شارلو الى الملجأ لعدم وجود منزل يأويه... وبعد الملجأ، عمل بعض الوقت صبي حلاق... وفي احد الايام تقع عين شارلو على حوزي عربة كان يمشي مشيه غريبة، وهنا حاول تقليده، وبعدئذٍ اصبحت المشية المميزة لشابلن في معظم ادواره السينمائية، ولا سيما في افلامه الصامتة.

كان والده مغنياً في "الميوزيك هول"، وهو من أصل فرنسي، وكانت أمه مغنية وممثلة من أصل يهودي. تعرف باسم ليلي هارلي. وقد انفصل والداه قبل أن يبلغ تشابلين 3سنوات، حيث تعلم هذا الأخير الغناء من والديه. ورغم وراثته الموهبة الفنية عنهما، إلا أنه لم يعرف النعيم والشهرة بفضلهما، بل عانى في طفولته انفصال الأبوين وهو في الثالثة من عمره، فعاش مع والدته في فقر مدقع وظروف صعبة خاصة بعد أن فقدت الأم عملها في المسرح نتيجة لإصابة أحبالها الصوتية، كما أضطر شارلي الصغير الى العمل مع أخيه الأكبر غير الشقيق سيدني في مسح الأحذية، وبعد سنوات تأزمت ظروف العائلة ولم تعد والدة شابلن قادرة على رعايته هو وأخوه، فقررت السلطات وضع تشابلن وسيدني في ملجأ الفقراء في "لامبث"، ثم انتقلوا بعد ذلك بعدة أسابيع إلى مدرسة "هانويل" للأطفال الأيتام والمعدمين. توفي والده الذي كان مدمناً على الكحول عندما كان عمر تشارلي 13 عاما، وعانت والدته انهيارا عصبيا لتوضع فيما بعد، بشكل مؤقت، في مصح للأمراض العقلية.

يقول عن هذه المرحلة في مذكراته التي حملت عنوان "هذه حياتي " :"تلك طفولة الوقوف أمام مصيرك غير قادر على شيء .فقد كان علي أن أكبر وأن أتحمل المسؤولية، وأن أفرغ الى لقب يتيم قبل الأوان "

"هانا " ..والدة شابلن المكافحة .. مجنونة وعاهرة

في احدث كتاب للطبيب النفسي المعروف الدكتور " ستيفن وايزمان" قال أن مصدر الحزن الحقيقي لشابلن لم يكن بسبب الفقر والحرمان وطفولته الصعبة التي عاشها،بل في فقدانه لوالدته بالدرجة الأولى ، لأن الذي فقده في "هانا " لايعوض ، وقد زعم وايزمان ان هانا ونتيجة للفقر الذي عانت منه عملت كمومس في شبابها وتحملت نتيجة ذلك عواقب مأساوية على المدى البعيد ، وقد أصيبت بالزهري وهو مرض لايمكن الشفاء منه بسهولة في آواخر القرن التاسع عشر وأدى الى جنونها كما يشهد ذلك شابلن نفسه عندما كان في التاسعة عشر من العمر ولم يكن قادرا على نسيانها .

شابلن في سيرته الذاتية الخاصة التي نشرت عام 1964 كان قد ضم فصلا مؤثرا جدا عن عذابات طفولته في جنوب لندن حيث نسب ان الاضمحلال العقلي لوالدته والسجن لاحقا ناتج عن سوء التغذية لانها حرمت على نفسها الكثير من المواد الغذائية من اجل إطعام اطفالها ، وهناك الكثير من التفاصيل لم يكشف عنها في سيرته لانها وكما يقول شابلن يخجل عن ذكرها ،ونتيجة لذلك حاولت الابنة الكبرى لشابلن الممثلة المشهورة "جيرالدين " ان تحظر نشر السيرة وذلك لما تظمنته من تفاصيل محزنة لحياة جدتها لكنها ادركت ان المعلومات الجديدة التي اكتشفها وايزمان من شأنها ان تلقي الضوء على مصدر لايقدر بثمن لعبقرية شارلي شابلن.

الحلم الأميركي..والصعلوك

عندما بلغ شابلن من العمر الرابعة والعشرين كانت بداية رحلته مع شقيقه الي العالم الجديد..الى أميركا حيث كان اللقاء الأول لشارلي مع أصحاب شركة "كيستوف" للانتاج السينمائي حيث ولدت هناك صورته التي نعرفها جميعاً والتي اشتهر بها ،صورة الصعلوك الصغير بسرواله الواسع ،وحذائه الكبير ،وسترته الضيقة وقبعته وعصاه الشهيرة وأخيراً ملامح وجهه الغريبة التي تختلف عن وجهه الطبيعي.لينطلق مشواره نحو النجومية، وكانت البداية من الفيلم الكوميدي "أطفال يتسابقون في فينس"، وكان ذلك في فبراير 1914. ثم اشتهر بشخصية "الصعلوك" المتشرد ذي الأخلاق الحميدة والشهامة، تلك الشخصية المبتكرة هي التي طورت من موهبته الكوميدية ، وأصبحت إحدى الشخصيات الأسطورية في هوليود وأنحاء العالم ، فأحبه الناس كباراً وصغاراً وبقي اسمه على كل لسان ، وقد عمد إلى مناقشة القضايا الاجتماعية المختلفة ذات الطابع المأساوي ودمجها مع الكوميديا بطريقة عبقرية ، وعند اختراع الصوت في الأفلام رفض الانصياع له واستمر في تقديم السينما الصامتة التي رأى فيها التعبير الحقيقي في الصورة للفن السينمائي بعكس مخرجين آخرين.

لقد صنع تشابلن أفلاماً هادفة صنعت شهرته منذ أن بدأ عام 1914م من بينها (الملاكمة) و(المتشرد) و(حياة كلب) و(امرأة باريس) ، حتى وصل إلى صناعة أفلامه الطويلة مثل فيلم: (الصبي عام 1921 ) والذي حقق نجاحاً كبيراً بسبب خلق التعاطف مع الشخصية اوفيلم (حمى الذهب) الذي استخدم فيه ابتكارات جديدة كوميدية إضافة إلى عمق الصورة ، ورغم ظهور اختراع الصوت في السينما عام 1927 م فقد أخرج أفلامه وبرع فيها دون استخدام الصوت مثل فيلم : (السيرك عام 1928م ) والذي حقق له نجاحاً فائقاً وحصد به جائزة الأوسكار الفخرية ، وبعده كان فيلم أضواء المدينة ، ثم قدم فيلم : العصور الحديثة عام 1936م وعلى الرغم من استخدامه الصوت إلا أنه يظل فيلماً صامتاً بدون حوار تتخلله الموسيقى التصويرية .

وفي العام1940 عمل فيلم الديكتاتور والذي جسد فيه شخصية أدولف هتلر النازية بطريقة كوميدية وضع فيه رؤيته الخاصة عن الديكتاتورية والتسلط وحلم السيطرة على العالم ومقدراته وسبب الفيلم الكثير من المشاكل لشابلن حتى وصل الأمر إلي حد إبعاده عن أميركا وانتقاله إلى سويسرا.

الشيوعية.. التهمة الساخرة

اتهم شابلن بالشيوعية، وأدانته المخابرات الأميركية في أحد وثائقها. بسبب عبارته التي قالها خلال الحرب العالمية الثانية "أن الانتصار في الحرب مرهون بالتعاون الكامل مع روسيا، وإيقاف الحرب ضد الشيوعيين". كما عزز فيلمه المثير للجدل "المسيو فيردو 1947" التهمة عليه، حيث قام مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1948 بتحقيق مع شابلن الذي اعترف بأنه لا يعرف شيئاً عن الشيوعية، ولم يقرأ كتابات كارل ماركس، وأنكر أنه تبرع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للحزب الشيوعي في أميركا وعندما سأل عن سبب رفضه حمل الجنسية الأميركية قال : لأنني مواطن عالمي ..أنا رجل أنتمي الى العالم كله .

الرجل المزواج

تزوج شارلي للمرة الأولى من نجمة السينما ميلدرد هاريس، وكان زواجه منها نوعا من الكوميديا.حيث كانت في الـ 16 من عمرها عندما اقترن بها، مما ادى الى نقمة المجتمع الاميركي ضده، يقول بعد أن تزوجها "هل هذه هي الفتاة التي كنت أريدها؟ كنت في ورطة! فمع أني لم أكن في حالة عشق، كنت أريد فعلا أن أصبح عاشقا وقد تزوجنا !! كنت أريد أن ينجح زواجنا. لكن بالنسبة لميلدرد كان الزواج مغامرة، لم يكن لديها إحساس بالواقع. ولم تكن تسمع كلمة واحدة مما أقوله لها".ويعلق شابلن "كان ما يغيظني حقا أشد الغيظ هو موافقتها المستمرة على كلامي، ثم القيام بالعكس تماما!!".

وبعد تجربته شابلن الاولى الفاشلة قرر الزواج للمرة الثانية من "ليليتا" قبل التعرف عليها، أثناء تصوير فيلم "هجوم الذهب"، ودام الزواج عامين أنجب خلالهما ولديه الكبيرين.ويرى أن هذا الزواج من ليليتا مكموراي التي كانت معروفة باسم الشهرة المسرحي "ليتاجراي"، يستحق أن ينال لقب أسوأ علاقة نسائية لشارلي شابلن على مدى حياته.فزواجهما لم يسبب فقط جرحا لكليهما، لكنه أيضا كان أول حلقة في سلسلة أدت إلى ابتعاد شابلن قليلا عن حب الجمهور الكبير له في الولايات المتحدة بالذات، حيث كانت الظروف المواكبة لزواجهما سببا في الحزن الشديد لكليهما وسببا في التهديد الخطير لصورة شابلن كنجم.ورغم أن شابلن لم يذكر اسم "جراي" بالاسم في مذكراته ولا تفاصيل عن علاقتهما، إلا أن جراي ناقشت علاقتهما بالتفصيل في 14 فصلا بمذكراتها التي ضمت 22 فصلا.

طلبت جراي الطلاق وبعد مشاورات حصلت عليه وعلى تعويضات مالية كبيرة، وقد أدت مشاكلهما إلى بداية هجوم شرس عليه من الصحافة، وكان السبب أن إحدى الشكاوي التي قدمتها جراي ضده للحصول على الطلاق، كانت تتهمه فيها بأنه لا يتكفل بإطعام ولديهما، وأنه حتى لا يهتم برؤيتهما في الكريسماس.وقد أدت تلك الشكوى إلى تدخل الجمعيات النسائية الأمريكية في صفها، حتى إن إحدى تلك الجمعيات قالت "إذا كان شابلن يعتقد أن بإمكانه تجويع أولاده فهو مخطئ.وبدأت تلك الجمعيات في جمع تبرعات تحت عنوان "لإطعام أطفال شابلن" مما أنقص كثيرا من شعبيته.

تزوج شابلن للمرة الثالثة من نجمة السينما بوليت جودارد، التي أحبها بشدة ويرجع السبب في ذلك لاشتراكها معه في كثير من لحظات جنونه كفنان، ولحظات وحدته التي لم يكن يتحملها.يقول عنها في مذكراته "كانت مرحة ومسلية، وكان الرابط بيني وبينها هو الوحدة، وكان جدولنا مليئا بالأعمال خلال الأسبوع، كنت لا أزال أفتقد العمل بشدة، فمع بوليت كنت أقوم بأي شيء، أذهب إلى سباق الخيل، الملاهي الليلية، والحفلات، وكل ذلك لقتل الوقت.. لم تكن لدي رغبة في أن أكون وحدي أو في أن أفكر".لكن بعد مرور عام بدأ القلق يساور شابلن فيقول "كنا أنا وبوليت زوجين منذ عام واحد، لكن الهوة استمرت تتسع بيننا، وكان جزء كبير من السبب يرجع إلى كوني أشعر بالقلق وأفتش عن الطريقة المناسبة للعمل".

الفضيحة الكبرى

بدأت قصة شابلن الشهيرة، مع امرأة تدعى جوان باري في نفس وقت انفصاله وطلاقه عن بوليت.في مايو 1941 بعد عدة أشهر من نجاح فيلم "الدكتاتور" الكبير حضرت سيدة تدعى "جون باري" إلى لوس أنجلوس من المكسيك تحمل رسالة إلى تيم ديورانت أحد أصدقاء شابلن المقربين.وفي يونيو بعد عدة أيام من تقابلهما سألها ديورانت أن تقابل شابلن إذا أحبت ذلك فوافقت وتقابلا بالفعل.

وبعد المقابلة الأولى التقيا في ملعب التنس الخاص بشابلن الملحق ببيته وبدأت علاقتهما تتطور، ثم وقعت معه عقدا للعمل كممثلة، واستمرت العلاقة بينهما حتى عام 1942 ولكن في يونيو 1943 بعد أن كان شابلن قد أنهى علاقته بها من جانب واحد وطردها من حياته ليتزوج حبيبته وزوجته الأخيرة "أونا أونيل"، رفعت عليه دعوى قضائية بأنه والد الطفل الذي كانت حاملا فيه.

الزوجة الرابعة .. رفيقته الدائمة

تزوج شابلن للمرة الرابعة من أونيل ابنة الكاتب المسرحي الشهير "أوجين أونيل"الذي لم يوافق على هذا الزواج، لأنه كان يعتقد بأن ابنته سوف تلاقي مع الرجل المزواج شارلي شابلن، مصير زوجاته السابقات... ولأن ابنته لم تكن تبلغ من العمر - وقتئذٍ - سوى 18 سنة، بينما كان شابلن في سن الـ 54، ولكن توقعات الاب اونيل لم تكن في محلها، لان ابنته آوانا بقيت زوجة للرجل الساخر مدى الحياة، وبعدما انجبت له ثمانية اطفال... وغالباً ما كان يردد هذه العبارة: "انه لأمر رائع ان يكون لك اولاد، انهم يردونك الى الشباب"!

وفاة في ليلة ميلاد

توفي شابلن سنة 1977 عن سن يناهز 88 عامًا، في مساء الرابع والعشرين من ديسمبر، حيث كان بمنزله في سويسرا مليئا بأبنائه واصدقائه، و تركهم ليأوي إلى فراشه تاركًا الباب مفتوحًا كي يشاركهم أفراحهم بعيد الميلاد وفي الصباح عندما ذهبوا ليهنئوه بالعيد كان شارلي شابلن قد غادر الحياة، بعد ثمان وثمانين سنة مفعمة بالعمل، والكفاح مانحا ملايين البشر السعادة خلال أكثر من ثمانين فيلمًا.وكان تشيعة نسيج من الخيال فشيع بحضور أكثر من 20 رئيس دولة كجنازة رسمية، وحضر جنازته أكثر من 30 مليون شخص وهم يرفعون صوره وهم يبكون.

لكن حكايات شابلن الغريبة لا تتوقف هنا فبعد وفاته وتحديدا في عام 1977، سُرقتْ جثته في أحد أعياد الميلاد. كان محاولة مباشرة للحصول على فدية من الأهل. تمكنت الشرطة من استرجاع الجثة بعد 11 أسبوع من البحث والقبض على المجرمين. جثة شابلن الآن محفوظة على بعد 6 أقدام تحت طبقة خراسانية.

اقوال شابلن

لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق .. ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة.
لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل
يوم بلا ضحك هو يوم ضائع.
نحن نفكر كثيرا ونشعر قليلا.
الشيء الذي يغني من يأخذونه ويزيد من يعطونه هو الابتسام
الحياة قد تصبح رائعة إذا تركك الناس وشأنك.
أن تساعد صديقا في حاجة هذا أمر سهل .. أما أن تعطيه من وقتك هذا دائما غير ملائم.
لا شيء دائم في هذا العالم، ولا حتى مشاكلنا.

طباعة