"اَميش" أميركا... حياة العصور الوسطى في القرن الـ21

    "الطريقة القديمة هي الطريقة الافضل".. شعار واسلوب حياة اختاره " الآميش" للعيش بسلام وللحفاظ على موروثهم الثقافي والحضاري، في بوتقة الانعزالية والانفصالية عن تطورات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة في مقاطعتهم في بنسلفانيا، بالولايات المتحدة اكثر بلدان العالم تقدماَ، معلنين بذلك عن انتصار اجيالهم في صراع الحداثة والاصالة القاتل للقرن الواحد والعشرين .

    فخلال 300 عام، لم تتغير طريقة حياة الآميش فهم يمنعون استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، فلا يستخدمون الراديو، والتلفاز او الهواتف، كما لا يستخدمون الكهرباء إلا نادراً وعند الضرورة القصوى، ولايزال يعتمدون على الخيول كوسيلة للتنقل بدل السيارات.

    يبلغ تعداد سكان الآميش 249 ألف نسمة موزعين على 22 مستوطنة في الولايات المتحدة الأميركية وفي ولاية أونتاريو في كندا. ويتمتعون بحكم ذاتي واستقلالية تامة، لهم قوانينهم الخاصة المعروفة باسم "أوردنانغ" وهي كلمة ألمانية تعني النظام وهي عبارة عن مجموعة من القوانين وضعها الأميشيون لتنظيم حياتهم، كما أنهم يتحدثون ثلاث لغات، إحداها قريبة من الألمانية تدعى "بنسلفانيا داتش" للتخاطب فيما بينهم، ولغة مشابهة للألمانية تسمى "هاي جيرمان" يتحدثون بها في صلواتهم واللغة الإنجليزية للتحدث مع الغرباء و في المدارس.

    أطلق عليهم أميش نسبةً إلى زعيمهم و مؤسس الطائفة "آمان جاكوب". تعرّضت هذه الطائفة للاضطهاد الشديد في أوربا و أُعدم الكثيرون منهم لذلك لجؤا إلى العالم الجديد نحو عام 1660 وأقاموا في ولاية بنسلفانيا إلى يومنا هذا.

    الكهرباء.. أصل البلاء

    يعارض الآميش التكنولوجيا الحديثة ويعتقدون أنها قد تؤثّر على طبيعة مجتمعهم المتماسك، لذلك يحرمون استخدام الكهرباء لأنها تمثل نوعا من الاتصال بالعالم الخارجي، والذي من شأنه أن يؤثر على قيمهم و ينشر الرذيلة و الخبث في مجتمعهم .

    وقد حال تحريم الكهرباء في وضع حدا نهائيا للجدل حول استخدام الأجهزة الكهربائية مثل الراديو والتلفاز والآلات المنزلية الكمالية وغيرها من مظاهر الحياة المعاصرة. ويعتمد الآمش على استخدام الهواء ومحركات الطاقة الهيدروليكية لتشغيل الآلات التي يستخدمونها في مزارعهم وبعض الآلات المنزلية مثل آلة الغسيل وآلة الخياطة، كما يعتمدون على قارورات الغاز لتشغيل الثلاجات وآلات الطبخ وأدوات تسخين الماء، في حين يضيئون منازلهم ومحلاتهم بفوانيس الغاز.

    ملابسهم ..هويتهم

    تجسد ملابس الآميش حياة الزهد و البساطة التي اختاروها لأنفسهم فترتدي النساء منهم الثياب المحتشمة والطويلة والتي لا تحمل أي رسوم أو زركشات، ويقمن بقص الشعر ويربطنه خلف الرأس لأنّه من المحرّم عندهم أن تكشف المرأة عن شعرها، لأنه شرط من شروط الصلاة .

    أما الرجال والصبيان فيرتدون البدلات الداكنة اللون والمعاطف والقبعات السوداء أو قبعات القش العريضة. وبعد الزواج يطلقون اللحى ويحلقون الشارب، ومن المحرّم عندهم ارتداء الأحزمة، او القفازات، وربطات العنق، وليس لستراتهم أزرار لأنها كانت تعد في أوروبا علامة على الفخر والثراء والمنصب الحكومي أو العسكري الذي يرتبط عندهم بالظلم.

    الدراسة ..وامتحان الحياة

    بخصوص الدراسة، فهم لا يعترفون بالتعليم الحكومي، وعوضاً عن ذلك يدرّسون أبنائهم في شبه مدارس مكوّنة من غرفة أو غرفتين (يُطبّق الفصل بين الجنسين) حيث يتعلّمون على أيدي مدرّسين أميش أيضاً.
    وعندما يبلغ شباب الآميش 18 سنة، يذهب لمدّة ثلاث سنوات لاستكشاف العالم الخارجي، وعليه خلال هذه المدة أن يقرر ما إذا كان يريد البقاء في مجتمع الآميش أم يفضّل الحياة العصرية، و يحدث أن أربعة من كل خمسة شبّان يفضّلون العودة إلى مجتمعهم وتمضية حياتهم هناك لانهم يعتقدون أن حياة الآمش رغم بساطتها تعمها السعادة.

    التأمين ..والقضاء والقدر

    يعتبر الآمشيون كل مايحدث لهم بمثابة قضاء وقدر، لذلك يمنعون التعامل بقوانين وصيغ التأمين الاجتماعي، فعند حصول مصيبة لأحدهم، كاحتراق حظيرته مثلا، فيقوم الجميع بالمشاركة ببناء حظيرة جديدة للمتضرر. إذا مرض أحدهم فإن أقاربه و جيرانه سيحلبون أبقاره وسيزرعون حقوله ويحصدون محصوله، ويسهرون على علاجه بالاعشاب والوصفات الطبيعية.

    أرض السلام

    كما يُعرف الاميش بأنهم مسالمون جداً، حيث لا يؤذون أحداً ولا يردّون الاعتداء إذا ما اعتدى أحد عليهم، كما يتميّز مجتمعهم بعدم وجود العنف أوالجرائم فيه، حيث طوال تاريخهم لم يرتكب أحدهم جريمة قتل. ففي عام 2006 داهم شخص يدعى تشارلس روبرت مدرسة للبنات الآميشيات في نيكل ماينز بنسلفانيا فقام بإطلاق الرصاص على الطالبات في قاعة الدرس، فتوفيت خمسة فتيات في عمر الزهور من بين عشرة فتيات أصبن في الحادث وبادر القاتل الى الإنتحار في نفس مكان الحادث وتم تهديم المدرسة وتبين أن القاتل كان من خارج الطائفة وكان عمله هو توصيل الحليب يومياً الى مستوطنة نيكل ماينز، وعبر مجتمع الآميش في تلك المستوطنة عن قناعته التامة بالقدرية أو الحتمية من خلال إعتبار القاتل غير مذنب نتيجة فعلته الشنعية تلك، وفي اليوم التالي للحادث قام أفراد من عوائل الضحايا الأطفال بمشاركة عائلة القاتل في مراسيم التأبين وزادوا في التعبير عن مشاعر التسامح بأنهم عانقوا زوجة القاتل وأقرباءه لمشاركتهم في التعزية، وفي الشهر التالي للحادث بادر مجتمع الآميش إلى جمع مبلغ من المال وإعطاءه الى أرملة القاتل لإعالة أطفاله الثلاثة .

    العائلة ..جوهر الحياة

    وتُعتبر العائلة أهمّ شيء في مجتمع الآميش، حيث أن نسبة الطلاق شبه معدومة عندهم، فالمرأة تعيش من أجل زوجها وأطفالها، والزوج والأبناء يكدّون في المزرعة، كلّ له دوره التقليدي الذي لا يحيد عنه، فالرجال في المزارع والنساء تقمن بالطبخ والغسيل والحياكة والاعتناء بالمنزل. وتمتاز عائلات الأميش بعدد أفرادها الكبير، فحوالي ربع العائلات لديها أكثر من 10 أطفال، وهذا ما أدّى لتكاثرهم المستمرّ، حيث كان لا يتجاوز عددهم 5000 سنة 1900 في حين يبلغ الآن حوالي 300 ألف شخص. ويبدأ الصبيان في البحث عن زوجة عند بلوغهم الـ 16 ولكن يجب على الآميش أن يتزوّجوا من طائفتهم فقط ويُحرّم عليهم الزواج ممن ليس منهم.

    ولا يؤمن أتباع طائفة الآميش بالتغيير، ويلتزمون بما جاء في الإنجيل الذي بين أيديهم ويطبقونه بحذافيره، ويحرمون التصوير و تعليق الصور والتماثيل، حيث تجد ألعاب الفتيات (العرائس) لا يوجد عليها معالم للوجه. كما ويحرمون الموسيقى و المعازف، ويهجرون كل من يبتدع في دينهم، ويوقفون التعامل معه، حتى الزوجة يحرم عليها الاقتراب منه والكلام معه. ولا يشربون الكحول و يحرمون المعاشرة الجنسية قبل الزواج.

    طباعة