"السهام العملاقة".. أول "GPS"أميركي

    لقد جعلت التكنولوجيا والعلوم الحديثة من العالم قرية صغيرة، وأصبح الاختفاء عن الأنظار أمراً صعباً جداً، كما اصبح الضياع في الأماكن التي لا وجود فيها لنقاط علاَّم بارزة مثل البحار والصحارى امراً مستحيلاً بوجود أجهزة تحديد المواقع والتتبُّع ضمن منظومة الأقمار الصناعية.

    لكن في القرن 19 كان الأمر مختلفا تماماً، وكان تحديد المواقع يشكل تحدياً صعباً لأنطمة الملاحة الجوية، خاصة في أميركا، التى اضطرت عام 1920 إلى اختراع السهام الأرضية العملاقة كأول "جي بي أس" لإرشاد الطيارين ومساعدتهم في رحلاتهم .

    فخلال إطلاق الحكومة الأميركية خدمة البريد الدولية عبر الملاحة الجوية عام 1920، واجه الطيارون صعوبات في التنقل عبر الساحل الأميركي خاصة الساحل الغربي، حيث لم تكن الأدوات الحديثة والردارات الجوية قد اخترعت بعد. وكان الطيارون يعتمدون على المعالم الأرضية لتحديد مواقعهم وتتبع رحلاتهم، لكن هذه المعالم كانت تفقد وضوحها خلال الأحوال الجوية السيئة. وأمام هذه الصعوبات أصدر الكونغرس الأميركي عام 1923 قراراً بناء شبكة من المنارات لتسهيل طريق الملاحة الجوية أثناء الظلام وسوء الأحوال الجوية .وهي عبارة عن سهام إسمنية ضخمة شيدت على الأرض على بعد 10 أميال بحرية، وتم تلوينها باللون الأصفر الزاهي وإضاءتها للتمكن من رؤيتها على إرتفاع 10 آلاف متر، كما تم تشيد بعض هذه السهام قرب المطارات لحالات الهبوط الاضطراري .

    بعد سنة من اطلاق المشروع تم تأسيس أول شبكة كاملة من هذه السهام الضخمة، وكانت تغطي جزءاً من الرحلة الممتدة من ولاية أوهايو إلى وايومنغ. ليتم تعميم التجربة في باقي التراب الأميركي عام 1929، ولتمتد بذلك شبكة السهام الملاحية الضخمة من نيويورك إلى سان فرانسيسكو. وأصبح الطيارون يعتمدون على هذه االسهام السحرية بشكل كبير وفي كل الظروف والأحوال الجوية .

    كن المشروع لم يدم طويلا، فبعد 3 سنوات من اطلاقه، تم ضم خدمة البريد الجوي إلى وزارة التجارة الأميركية التى استفادت من التطورات الحديثة كاختراع الرادار والراديو وتم الاستغناء عن السهام الأرضية. ومع ذلك لاتزال هذه السهام الضخمة بعد مرور 80 عاماً على اختراعها موجودة في طريق ممتد على مسافة 4230 كيلومتراً من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي. حيث تعمل السلطات المعنية على الحفاظ عليها كمعلم تاريخي يعكس بساطة الزمن الأول قبل سطوة التقنية والتكنولوجيا على الحياة .

    طباعة