سيمفونيات عالمية تصدح في «قصر الإمارات»

«أوركسترا العالم».. موسيقى للسلام

«الأوركسترا» تضم 33 عازفاً من جنسيات مختلفة. تصوير: إريك أرازاس

قال قائد أوركسترا العالم من أجل السلام المايسترو فاليري غيرغييف إن «الموسيقى الكلاسيكية مازالت تتمتع بحضور مبهر في العالم، ورغم انتشار العديد من المدارس والاتجاهات الموسيقية الحديثة، إلا ان اهتمام الجمهور من مختلف الفئات العمرية يزداد بالموسيقى الكلاسيكية، ومازال هناك العديد من الحفلات التي تقام حول العالم لهذا النوع من الفنون، وتشهد إقبالاً من الجمهور والشباب».

وأوضح غيرغييف الذي يقود «أوركسترا» تضم 33 عازفاً تم انتقاؤهم من نحو 62 فرقة مميّزة، من مختلف بلدان العالم، في تصريحات لـ«الإمارات اليوم»، انه لا يجد صعوبة في التعامل مع العازفين رغم اختلاف لغاتهم وجنسياتهم، لان قوة الموسيقى وتأثيرها يجعلان من السهل تحقيق التناغم بين هؤلاء العازفين، إذ يستبدلون لغاتهم المختلفة بلغة واحدة عالمية هي لغة الموسيقى، لافتا إلى انه لا يعمد إلى إعطاء الأوامر والتعليمات خلال تدريبات الأوركسترا، بقدر ما يقوم بمشاركتهم الإحساس بالموسيقى والألحان التي يقدمونها، ويتعامل معهم باعتبارهم جميعاً أسرة واحدة.

سفير السلام

 

تعد أوركسترا العالم من أجل السلام من أبرز الفرق، إذ يعتبر عازفوها الأفضل عالميا، وجاؤوا من أهم فرق الأوركسترا العالمية، ليقدموا وبلسان مؤسس الفرقة، السير جورج سولتي- القوة الفريدة للموسيقى كسفير للسلام. قام سولتي بتأسيس الفرقة من أجل حفلة خاصة في جنيف للاحتفال بمرور 50 عاماً على تأسيس الأمم المتحدة وكان ذلك عام .1995 ودعا الأمين العام للأمم المتحدة حينها بطرس بطرس غالي سولتي ليدير الحفلة ولاختيار الفرقة التي يرغب بأن تعزف فيها. وبعد تفكير متأنٍ، اقترح سولتي فكرة انتقاء مجموعة مختارة تجمع أفضل العازفين من فرق أوركسترا مختلفة حول العالم، لتشكل رسالة فريدة للسلام. ومنذ وفاة سولتي عام ،1997 أعيد تجميع الفرقة من قبل المستشار الفني تشارلز كي، الذي دعا فاليري غيرغييف ليقود الفرقة، في الحفلة الافتتاحية لقاعة المهرجانات الجديدة في بادن-بادن عام 1998 وفي الحفلات الـ15 التي عزفت فيها الفرقة منذ ذلك الحين.

وقال المايسترو الشهير انه لم يفكر في الاتجاه الى مجال التأليف الموسيقي، معبراً عن اعتزازه بعمله كقائد للاوركسترا وما يقدمه من حفلات يتنقل خلالها بين مختلف عواصم العالم التي تشكل أمامه مثل باقة من الأزهار المختلفة ينتقي منها ما يشاء.

واستضافت أبوظبي مساء أول من أمس، في «قصر الإمارات»، الحفل الأول لأوركسترا العالم لأجل السلام في العالم العربي، ضمن أمسية تسبق انطلاق فعاليات دورة عام 2011 من مهرجان أبوظبي الذي تنظمه مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون.

وتضمن الحفل عزفاً لروائع السيمفونيات الكلاسيكية العالمية العريقة، إذ عزفت أوركسترا العالم لأجل السلام بقيادة المايسترو فاليري غيرغييف مقدمة «وليم تل»، الجزء الأول والجزء الثاني من أعمال جيواكينو روسيني، وماجور دي ،25 السمفونية الأولى من أعمال بروكوفييف، وماينور إي، 64 من السيمفونية الخامسة لتشايكوفسكي، كما أهدى العازفون بقيادة غيرغييف مقطوعتين موسيقيتين إضافيتين هما تريتش تراتش بولكا من أعمال شتراوس، ونايتس بردج مارش من أعمال كوتس، تفاعلاً مع تصفيق الجمهور الذي أبدى إعجابه الشديد، وعبر عن مدى استمتاعه بالحفل المتميز.

قوة الموسيقى

في ظل ما يعانيه العالم حالياً من حروب ومعارك وأزمات؛ ما الذي يمكن ان تقدمه الموسيقى، وهل يمكن ان يكون لها تأثير في أرض الواقع، في ردها على هذا التساؤل، أكدت راعية الاوركسترا الليدي فاليري سولتي، أن «الحروب والمعارك التي تنتشر في العالم هي نتائج لتصرفات وأفعال مادية للبشر، ولذا لابد من إتاحة المجال أمام الأمور الروحانية غير الملموسة مثل المشاعر والفنون، وفي مقدمتها الموسيقى الراقية، لإصلاح ما أفسدته أفعال الإنسان وأطماعه المادية»، مشيرة إلى إيمانها الكبير بان الموسيقى والفنون عموما، قادرة على السمو بمشاعر وتفكير الإنسان إلى آفاق أكثر رقياً واتساعا، كما تجعله أكثر قابلية لمشاركة مشاعره وأفكاره والأحلام مع الآخرين، حتى هؤلاء الذين يختلف معهم في الجنس واللغة، وهذه هي الرسالة التي تحملها الاوركسترا وتعمل على نشرها في مختلف أنحاء العالم.

وعن علاقتها بالاوركسترا؛ أشارت ليدي سولتي لـ«الإمارات اليوم» إلى أنها بدأت في عام ،1964 عندما التقت بمؤسس الاوركسترا السير جورج سولتي، للمرة الأولى في فندق سافوي، إذ ذهبت لإجراء مقابلة معه لبرنامج فني لمحطة «بي بي سي». ثم تزوجا عام ،1967 موضحة ان زواجها من سولتي فتح أمامها ما يشبه بوابة ذهبية على عالم الموسيقى الكلاسيكية، بكل ما فيه من رقي وروعة، لتكتشف الكثير من ثراء هذا العالم، رغم انها لم تكن بعيدة عن الموسيقى قبل ارتباطها به. وأضافت سولتي التي ما زالت تعمل مذيعة وكاتبة مستقلة «في ذاك الوقت، كان هناك الكثير من التيارات والمدارس الموسيقية التي انتشرت في فترة الستينات، وكانت لدي اهتمامات موسيقية متعددة، مع اهتمام خاص بموسيقى الجاز وموسيقى أميركا الجنوبية، بالإضافة إلى الموسيقى الكلاسيكية، حيث كان والدي يعزف على البيانو واعتدت ان استمع إلى عزفه منذ طفولتي». وعن اختيار غرغييف لقيادة الفرقة خلفاً لزوجها؛ قالت: «لم يكن القرار صعبا، فقد يكون هناك كثيرون يستطيعون تقديم الموسيقى وعزفها، ولكن يوجد قليلون ممن يمتلكون القدرة على بناء مؤسسة، ولديهم فكر مشبع بالموسيقى وطاقة كافية لتنفيذ أفكارهم وخططهم للارتقاء بالعمل، وغرغييف من هؤلاء»، لافتة إلى انها، إلى جانب رعايتها للاوركسترا، قامت بالتعاون مع بناتها، بإنشاء مؤسسة سولتي لمساعدة الموسيقيين المحترفين الشباب في بداياتهم الفنية، وستطلق هذا العام سلسلة من الصفوف الاحترافية للمغنين في كاستليوني ديلا بيسكايا (القرية الساحلية في مقاطعة توسكانيا)، حيث كان زوجها يمضي عطلاته الصيفية.

لغة عالمية

المستشار الفني لاوركسترا العالم من أجل السلام، تشارلز كي، اعتبر ان الفرقة هي اكبر دليل على ما يمكن ان يقوم به الفن والموسيقى من تأثير في سلوكيات البشر، ويدفعهم الى التوافق والتقارب في ما بينهم وتجاوز خلافاتهم، حيث تجمع الاوركسترا الفريدة من نوعها 33 عازفا من جنسيات مختلفة ويتحدثون لغات مختلفة، ولكنهم يتحدثون معا بلغة عالمية هي لغة الموسيقى، ويستمعون إلى بعضهم البعض، وهذا الأمر من الأسس التي اعتمد عليها سولتي عند تأسيسه للفرقة، إذ كان مؤمنا بقدرة الموسيقى على تغيير الناس، ومنهم الساسة، والذين بدورهم يستطيعون تغيير العالم. وعبر كي عن سعادته بزيارة ابوظبي وتقديم عرض للفرقة بها، لما أصبحت تتمتع به العاصمة الإماراتية من مكانة متميزة على الساحة الثقافية والفنية، موضحاً أن الفرقة لا تواجه أية صعوبات في مواصلة مسيرتها. واستطرد «خلال عملنا ندرك جميعا اننا سفراء للسلام في العالم، ولذلك يحرص العازفون على مواصلة الرحلات والحفلات التي نقوم بها، ورغم ان كثيرا منهم يضطر الى السفر لساعات طويلة قادما من أميركا الجنوبية واستراليا أو من أقصى الشمال، إلا أنهم يرحبون بذلك. كما أنهم جميعا متطوعون في هذا العمل». من جانبها، عبرت مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي، هدى الخميس كانو، عن سعادتها بتقديم أوركسترا العالم لأجل السلام للمرة الأولى في العالم العربي من خلال منصة مهرجان أبوظبي، إذ جاءت الأمسية تجسيداً صادقاً لشعار دورة هذا العام من المهرجان «لأجل الوئام والسلام الإنساني». وأضافت «تعزز مثل هذه التظاهرات الفنية الراقية، موقع العاصمة أبوظبي مركزاً عالمياً رائداً للفنون والثقافة»، موجهة الشكر إلى غيرغييف وجميع عازفي الأوركسترا المبدعين وفاليري سولتي، راعية أوركسترا العالم لأجل السلام، على حضورهم وإنجاحهم لهذا الحفل الفني المميز الذي يمهد لدورة جديدة وأكثر تميزاً من مهرجان أبوظبي، حسب كانو.

طباعة