آرتي.. كمنجات بأصابع صائغ

كمنجات آرتي إسكندريان حققت شهرة تجاوزت لبنان. أرشيفية

لم يستطع آرتي اسكندريان، وهو في الأساس صانع مجوهرات، أن يلمع كعازف كمان، كما كان يطمح دائماً، فأتقن في المقابل صناعة هذه الآلة ليجعل من الكمان المصنوع في لبنان معروفاً على مستوى عالمي، على ما يقول.

في محترف اسكندريان الواقع في منطقة الكسليك (شمال بيروت)، الكمان موجود في كل مكان. ثمة مجموعة متدلية من السقف، واخرى معروضة على الرفوف، فيما تصطف خزائن زجاجية فيها اكسسوارات متعلقة بالكمان، اضافة الى كتب متنوعة محورها آلته المفضلة، وتزين آلات وترية اخرى جدران المحترف.

اما آلات الكمان الأغلى ثمناً والعزيزة أكثر على قلب ارتي، فترصع غرفة صغيرة اشبه بخزنة، بابها محصن بالحديد الأسود. هناك يحتفظ بمجموعته من آلات الكمان والأقواس القديمة القيمة التي ورث بعضها من عائلته، ويستريح على احد رفوفها اول كمان صنعه في العام ،1995 وثمة أيضاً آلات فيولونسيل ممددة على الأرض. ويسعى آرتي حالياً الى ان يؤسس مدرسة لتعليم هذه المهنة لينقل خبرته إلى محبي هذه الآلة الوترية.

ونشأ اسكندريان في عائلة تهوى الموسيقى أباً عن جد. فجده كان يعزف على هذه الآلة بأوتارها الأربعة مع اعمامه في إحدى كنائس القدس، الأرمنية الكاثوليكية، اما والده فهو هاوي موسيقى، استقر في لبنان بعدما هاجر من القدس مع عائلته الى البرازيل، وتفرغ لصناعة المجوهرات وبيعها. ويسترجع ارتي، المولود في بيروت في العام ،1972 ذكريات ارتباطه بآلة الكمان، قائلاً «أول آلة كمان حصل عليها اشتراها له والده من اليابان، وبدأ العزف على هذه الآلة الوترية في السادسة من عمره، واستمر يدرس اصول العزف نحو سنة.

وفي اواخر السبعينات من القرن الفائت، اضطرت عائلة اسكندريان، بسبب الحرب في لبنان، الى ان تنتقل من منطقة الى اخرى، فتوقف ارتي عن العزف قسراً، لكنه، عندما بلغ 15 عاماً، اراد ان يكمل ما بدأه. ويقول «كنت موهوباً في العزف، لكن أصابعي افتقرت إلى الليونة. هذه حسنات العلم في الصغر، تماماً كلاعبي الجمباز الذين يتعلمون في سن مبكرة، يكونون أمهر من اولئك الذين يتعلمون في سن متقدمة».

وعندما ادرك آرتي انه لن يصبح عازفاً مبدعاً كما كان يطمح، قرر العزف على وتر آخر: صناعة الكمان. فاشترى كتاباً من لندن يشرح مراحل تركيب الكمان وبعض العدة اللازمة، ولم يستعن بأحد لإنجاز آلته. وبعد شهر انتهى من صناعتها وكان عمره يومها 23 عاماً، وشجعه أستاذه سركيس كوشكريان الذي قدر أسلوب صناعته رغم بعض الأخطاء التي شابت العمل. وفي العام 2000 صنع ارتي اول آلة فيولونسيل.

يقول ارتي «أعمل مع والدي في صناعة المجوهرات وتعلمت على يد معلمين بارعين فلسفة أن نصنع الأفضل أو لا نصنعه، احب كل الفنون الراقية، في صناعة المجوهرات كما في صناعة الكمان، دقة وتقدير للحياة»، ويشرح اسكندريان المراحل التي تمر بها صناعة الكمان قائلاً «انه عمل حرفي بامتياز. لا احتاج الى منشار او مقدح لقص الخشب بل الى عدة مؤلفة من مجموعة سكاكين، صرت اصنعها بنفسي».

ويستخدم لصناعة الكمان الذي يبلغ طوله 35 سنتيمتراً ونصف السنتيمتر، ووزنه ثلاثة كيلوغرامات و50 غراماً، خشب القيقب لظهر الصندوق ورأسه، اما وجه الآلة فمصنوع من خشب التنوب، ومفاتيحه مصنوعة من خشب الأبنوس الإفريقي. ومرحلة طلائه تستغرق وقتاً، إذ يدهن على مراحل بالورنيش الممزوج بالروائح الشرقية كالصندل والعنبر، اما الأوتار فمستوردة من ألمانيا.

 ليست تجارة
 
صناعة الكمان تحتاج إلى مهارات وخبرات خاصة. أرشيفية
قال صانع آلة الكمان آرتي اسكندريان «أحياناً أتوقف عن صناعة الكمان، لأنها ليست مسألة تجارة، وحتى لا يصبح العمل ميكانيكياً، كي لا يسبق العمل اليدوي العمل الفكري، يجب ان افكر في الذي أصنعه خطوة تلو خطوة».

ويرى ارتي أن «المطرب صوته جميل لكن عازف الكمان عليه ان يشتري الصوت الذي يريد. الكمان يجب ان يعيش وان يتنفس وان يعزف عليه حتى يصبح صوته أجمل ومؤثراً أكثر».

ويشرح «مع الوقت يتعتق الخشب، وكثرة العزف على الآلة تجعل صوتها أجمل» ويرى ان «عمر الخشب له دور كبير في اعطاء فخامة لصوت الكمان، ورنة خاصة اكثر من تلك المصنوعة من اخشاب جديدة، فآلات الكمان القديمة استطاعت ان تحافظ على رقيها ومرتبتها العالية، كتلك التي صنعها انطونيو ستراديفاري قبل 400 سنة».

وعن مواصفات الكمان اللبناني يقول ارتي «احرص على التوازن بين الأوتار الأربعة وقوة الصوت وجماله وسهولة استخدامه نسبة الى العازف»، ويضيف «التفكير الشرقي سهّل علي فهم فكرة تطوير الآلة وادركت في هذه المرحلة ان كل عازف يجب ان يجد ما يحب في آلته. افهم طريقة عزفه واقدم له ما يناسبه لتأتي الآلة على قياس اسلوب العازف ومتطلباته، هدفي ان اقدم له آلة تعبر عنه وتشبهه».

آلة بعد آلة، تطورت صناعة الكمان لدى ارتي اسكندريان وتعمقت خبرته، وقد ساعده على اتقان هذه الحرفة المرموقة جمعه لآلات من حقبات عدة، يعمد الى مقارنة اصواتها، وقراءته الكتب المتخصصة.

وبعد انتهائه من صناعة كل آلة يعطيها لعازف بارع ليجربها مستمعاً الى رأيه المتعلق بأدائها. ويقول «ما اصنعه اليوم لا يقارن مع ما كنت اصنعه في بداياتي».

ورد اسم ارتي في كتاب عنوانه «صانعو الكمان»، يجمع 75 صانع كمان في العالم من فرنسا والمانيا وايطاليا بولندا واسبانيا والولايات المتحدة.

ويوضح ارتي «أصنع حجماً واحداً يناسب العازفين المنفردين، وهذه مهمة صعبة، اذ يقف العازف المنفرد وسط اوركسترا متنوعة الآلات، ويجب ان يصدح صوت آلته، ان يكون الأقوى والأكثر تميزاً. ينبغي ان يحب العازف تلك الآلة الصغيرة، وان تساعده على العزف بسهولة، وان يعبر بواسطتها عن نفسه».

وصنع اسكندريان حتى اليوم 55 آلة للعزف المنفرد، ويبلغ سعر الكمان من هذا النوع للمحترفين نحو 15 الف يورو. وثمة ست آلات احتفظ بها ارتي قدم إحداها هدية الى الأوركسترا الوطنية اللبنانية، فيما يسترجع الآلات الباقية بعد كل حفلة من الأوركسترا الوطنية.

ويقول «كثير من العازفين اللبنانيين اشتروا آلاتي، والبعض الآخر لا يملك الإمكانيات، ولدي آلات اقل ثمناً أصنعها للطلاب، يراوح سعرها بين 2500 و3500 دولار، لكنها آلات لمدى الحياة» اما صناعة الفيولونسيل فتستغرق شهرين. وصنع الى اليوم ثلاث آلات منها، وسعر الواحدة منها 25 ألف يورو.

طباعة