حارب: جمهور «فريج فلكلور» دفع المسرح الإماراتي إلى العالمية

تصوير باتريك كاستيلو

رغم معقولية الإقبال على عرض «فريج فلكلور» في ظل ارتفاع سعر بطاقاته التي وصلت إلى 1200 درهم للفرد الواحد، فإن المخرج الشاب محمد سعيد حارب كان يطمح دائماً إلى مزيد من الإقبال، إلى الدرجة التي شكلت معها دائماً أرقام البطاقات المبيعة بالنسبة إليه هاجساً دائماً، حتى قبل العرض الأول الذي دفعه إلى أن يحصي الطاقة الاستيعابية الكاملة للمسرح، مقدراً إياها بـ1220 كرسياً .

وجود نسختين لعروض«فريج فلكلور» موزعة ما بين 10 عروض باللغة العربية و7 بالإنجليزية، أتاح للجمهور غير العربي متابعة العرض، وتذوق جمالياته، الأمر الذي كسر حاجزاً مهماً بالنسبة إلى المسرحي الإماراتي، متمثلاً في رفع سقف الطموح من الوصول إلى المشاهد المحلي والخليجي والعربي، إلى السعي لجذب جمهور ذي ثقافات متباينة.

ومع تأكيد مسرحيين ومتابعين أن العرض لمس سقف إجادة فنية غير متوقعة، نظراً لحداثة تجربة حارب في هذا المجال، فإن مخرج العمل نفسه اعتبر «فريج فلكلور» عرضاً إماراتياً محلياً بمقاييس دولية، انتزع شهادة إجادة دولية للمبدع المسرحي الإماراتي، سوف يكون لها أثر كبير في تثبيت ثقة الجيل المسرحي الشاب في الإمارات بقدراتهم وإمكاناتهم التي تؤهلهم إلى تقديم أعمال عالمية يعتد بها، في حال توافر الإيمان بطاقاتهم والتبني المخلص لها.

وأضاف حارب : «لا يمكن أن نغفل حداثة اجتماع أسر أجنبية لا يتحدث أفرادها العربية، ولم تتابع بالتبعية مسلسل «فريج»، من أجل مشاهدة هذا العرض، كان الأمر بالنسبة لي فاصلاً، وكان الرهان في هذه الحالة لا يمكن أن يعتمد على جماليات مسرحية بعيدة عن الخشبة، وهو أمر يصبح أكثر صعوبة في حالة «فريج فلكلور»، لأن جزءاً من ماهية العمل يتعلق بشكل أو بآخر بمقدمات صاغتها الأجزاء الثلاثة للمسلسل التي شكلت ملامح شخصيات العجائز الأربع اللائي يقمن بالأدوار الرئيسة في العرض المسرحي أيضاً».


حارب: المسرحيون الشباب أمام مفترق طرق جديد


مفاجآت فنية

من جانبه وصف وكيل وزارة الثقافة والشباب وخدمة المجتمع الدكتور حبيب غلوم العمل بـ«الجيد على الرغم من وجود بعض التحفظات الفنية على مشاهد بعينها في العرض، إلا أنه في المجمل حفل بالكثير من المفاجآت الفنية التي تؤشر إلى حجم الجهد المبذول، سواء فيما يتعلق بالأفكار أو آلية تنفيذها على الخشبة». مشيداً بـ«التقسيم الفصلي المعتمد على معيار تعددية الثقافات وانسجامه مع طبيعة دبي، قبل أن يختم بالثقافة المحلية بشقيها البحري والبدوي».

استثمار

رئيس مسرح دبي الأهلي يوسف بن غريب آل محمود، أثنى في السياق ذاته على العرض، معتبراً أن مخرجه «استطاع استثمار إشكالية انتماء العرض إلى فن المسرح بشكله التقليدي، عبر استخدامه أدوات كثيرة استمدها من خبرته الأساسية في مجال الرسوم المتحركة الثلاثية الأبعاد، بالإضافة إلى براعته في تحريك المجاميع البشرية على الخشبة، وما صاحب ذلك من تطويع للوحات الغنائية والموسيقية والراقصة لخدمة التطور الدرامي للأحداث».

وأشاد غريب في الوقت ذاته بثراء «الأكسسوار والتركيز على الاستفادة من تقنيات تكنولوجية متقدمة، خصوصاً فيما يتعلق بدقة الانتقال بين المشاهد المختلفة التي تداخلت إلى حد يصعب معه فصلها بسهولة لدى المشاهد، سواء ما يتعلق بالمشاهد الحية على المسرح، أو الأخرى التي تجسدت على شاشات العرض السينمائي الشديدة النقاء، وما صيغت من خلال تقنيات الغرافيك الشديدة الحرفية أيضاً».

مغامرة

رئيس جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث بخيت المقبالي قال «فضلاً عن أن كل جهد مسرحي تقوم به جماعة أو فرقة، أو حتى جهة إنتاج ما في الإمارات، أراه يستحق التقدير والدعم، لأنه يسهم في إثراء الحركة المسرحية المحتاجة دائمة إلى مزيد من التفعيل، فإن الجهد الذي قام به حارب يستحق ثناء وتقديراً خاصين ، سواء من حيث إقدامه على تجربة مسرحية للمرة الأولى، أو لعوامل الابتكار والتجديد التي غلفت هذه التجربة، وأكسبتها نكهة المفاجأة بكل ما تحملها من عناصر متعة ومغامرة إنتاجية وفنية، تحسب دائماً لمطلقها».

وأضاف المقبالي «الساحة المحلية بحاجة ماسة إلى مثل هذه التجارب الجديدة، ما يستدعي في الوقت نفسه السعي إلى دعم أصحابها وتشجيعهم على تكرار تجاربهم، في الوقت نفسه الذي يتوجب علينا أيضاً تشجيع الموهوبين الآخرين، من إيجاد صيغة ما لتحرير تجاربهم وإطلاقها لتحيا على خشبات المسارح، كي تدلي بدلوها في سياق الحراك المسرحي الإماراتي المنشود».

عودة

وفي سياق متصل قال المواطن محمد الطنيجي الذي شاهد العرض مع زوجته وأولاده الثلاثة «أتذكر أنني كنت قد أخذت قراراً العام الماضي بألا أصطحب أسرتي إلى عرض مسرحي مرة أخرى، بعد أن حضرت مسرحية كوميدية عربية استضافها مسرح الثقافة والفنون، اعتقدت بناء على اسم بطلها الذي يشكل علامة فارقة في تاريخ السينما والمسرح العربيين، أنها يمكن أن تكون على الأقل ذات رسالة اجتماعية، و بعيدة عن الإسفاف، وهو اعتقاد للأسف ثبت خطؤه واضطررت على أثره إلى الانسحاب وأسرتي من القاعة، بسبب سيل الألفاظ والمشاهد الخادشة للحياء».

وأضاف الطنيجي «مدفوعاً بإلحاح أولادي تراجعت عن قراري السابق، واصطحبتهم إلى «فريج فلكلور» وكانت استثناء أكد لي أن المسرح الكوميدي يمكن أن يكون هادفاً وممتعاً في الوقت ذاته، وأن هناك الكثير مما يمكن أن يقدمه المسرح الإماراتي إلى الأسرة المواطنة وللمشاهد العربي أيضاً الذي يشاركنا بكل تأكيد النسق القيمي ذاته، بغض النظر عن انقلاب بعض الأعمال المسرحية على هذا النسق لأهداف تجارية».

حالة أسرة الطنيجي وإشادتهم بالعرض كررتها أسر أخرى، و على الرغم من أن البعض أشار الى بعض الملحوظات السلبية، فيما يتعلق بعدم وجود تسلسل منطقي للأحداث بين المشاهد المختلفة التي ربما أمكن تغيير ترتيبها من دون التأثير في معقولية الأحداث، وبعض إشكاليات الصوت في عروض بعينها، فإن الاتجاه الغالب أشار في مجمله إلى أن «فريج فلكلور» «تجربة إماراتية أعادت الأسرة الإماراتية إلى المسرح». معربين عن أملهم في أن يشهد كل عام أكثر من تجربة مسرحية على هذا النحو .

إبراهيم جمعة: حارب شاطر

على الرغم من أنه أحد عناصر العمل الأساسية فإن الملحن الإماراتي القدير إبراهيم جمعة الذي وضع ألحان عدد من اللوحات الموسيقية للعرض، أكد أن شهادته لن تكون مجروحة في مخرج «فريج فلكلور»، لأنها منطلقة من عين حريص على تواصل نتاج كل إبداع يسهم في الحفاظ على التراث الإماراتي بشكل عام، واللحني منه بشكل خاص. مضيفاً «حارب شاب شاطر، ونموذج فريد بالنسبة لي للقاء جيلين، جيل مثلته وكان حاضراً في العمل بالإرث الموسيقي العربي والأندلسي والمحلي وجيل يمثله ضاماً طاقة الشباب ومهارة الإبداع التقني والإخراجي الحديث مدعوماً بدراسات غربية».

وفي سياق متصل أكد جمعة لـ«الإمارات اليوم» أنه «قدم مشروعات مهمة تتعلق بصون التراث الفني الإماراتي بعامة واللحني منه خصوصاً وحفظهما، وهو جعل التربية الموسيقية أساسية في المنهاج المدرسي، وإنشاء معهد لتدريس الموسيقى، وكذلك شركة إنتاج وطنية، وقناة تلفزيونية تبث مواد ثقافية عربية ومحلية هادفة ترقى بالذوق العام».مؤكداً أن هذه المشروعات سبق أن قدمها إلى «مجلس دبي الثقافي» الذي كان أحد أعضائه قبل حله، مشيداً في الوقت ذاته بدور هيئة دبي للثقافة والفنون في جهود حفظ التراث وصونه وإحيائه.

طباعة