«مجلس الحاكم» كان قناةً للتواصل بين الحاكم وشعبه

«مجالس قصر الحصن» شاهدة على تاريخ الشورى في الإمارات

صورة

يحفل قصر الحصن بالعديد من الصفحات التي تروي فصولاً من تاريخ أبوظبي، منذ نشأتها الأولى وحتى تحولها إلى مدينة عصرية. وتتعدد الذكريات التي يوثقها قصر الحصن بتعدد الوظائف التي أدّاها المكان في تاريخ الإمارة، حيث بدأ حصناً لحماية سكانها، ثم تحول مركزاً للحكم ومسكناً للحاكم وأسرته، ثم مقراً للحكومة لتصريف شؤون البلاد. وعلى مر سنواته الطويلة؛ احتضن الحصن «مجلس الحاكم» الذي كان بمثابة قناة للتواصل بين الحاكم وشعبه، وساحة للشورى ومناقشة القضايا التي تخص الحكم، كما كان الحاكم يستقبل في مجلسه ضيوفه من مختلف الجنسيات. ويستطيع زائر منطقة الحصن في أبوظبي أن يتعرف بالصوت والصورة إلى تاريخ «مجلس الحاكم» منذ عصر الشيخ زايد الكبير، وحتى تأسيس المجلس الوطني الاتحادي مع تولّي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حكم أبوظبي.

مجلس زايد الكبير

من أبرز المجالس التي شهدها الحصن؛ مجلس الشيخ زايد بن خليفة، المعروف بالشيخ زايد الأول، الذي قام بتأسيسه الشيخ زايد، بعد أن نجح في القضاء على الاضطرابات وتوحيد القبائل وتعزيز مكانة أبوظبي لتصبح مركز ثقل على ساحل الخليج، كما أرسى دعائم الحكم. وكان هذا المجلس يستضيف اجتماعات منتظمة ترأسها الشيخ زايد بنفسه. كما حرص على أن يستقبل الناس في مجلسه الذي كان مفتوحاً للجميع، ولطالما تردد عليه الناس ليستمع إلى مطالبهم ويتفقد أحوالهم ويفصل في نزاعاتهم، كذلك كان المجلس مكاناً لتبادل الأخبار والقصص وإلقاء الشعر.

أهمية مجلس الحاكم في المجتمع لفتت أنظار الرحالة وزوار المنطقة من مختلف الجنسيات على مر العصور، ومنهم من حرص على تجسيدها في صور فوتوغرافية أو لوحات، ولعل من أشهرها تلك الصورة التي تعود إلى عام 1904، وهي واحدة من أولى الصور التي التقطت للحصن، ويظهر فيها الشيخ زايد بن خليفة، جالساً على منصة مرتفعة، وبالقرب منه مجموعة من الرجال خارج الجدار الخارجي للحصن.

مجلس الشيخ شخبوط

بين عامي 1928 و1966؛ تولّى حكم أبوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، ابن الشيخ سلطان بن زايد بن خليفة آل نهيان والشيخة سلامة بنت بطي القبيسي. كان بناؤه للقصر الخارجي في الأربعينات من القرن العشرين بمثابة بداية فصل جديد من فصول قصة الحصن، حيث عزّز الشيخ شخبوط العلاقات الإقليمية والدولية، كما أشرف على إدارة الإمارة، فاستقبل كبار الشخصيات وعقد مجلسه في قصر الحصن. عُرف مجلس الشيخ شخبوط بأنه جزء أصيل من الحياة اليومية للمجتمع المحلي في قصر الحصن، فقد كان يشهد مناقشة شؤون الناس العامة والخاصة، وفيه طرحت القضايا المجتمعية العامة، وكان مفتوحاً للجميع، كما اختلفت أماكن عقد المجلس في الحصن بحسب المناسبة والوقت من السنة. والتقى الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان في مجلسه بالعديد من شخصيات الأعيان، وزعماء القبائل، وشخصيات أجنبية دبلوماسية واقتصادية، ورجال من مختلف شرائح المجتمع، وفيه كذلك أصلح بين الناس، وحلّ النزاعات، وناقش القرارات المهمة مع مستشاريه وأصدر تعليمات للمسؤولين، وفي جلساته غير الرسمية؛ استقطب المجلس الضيوف الذين سردوا القصص وألقوا الشعر.

آداب المجلس

كان لحضور مجلس الشيخ شخبوط أسلوب ضيافة معيناً؛ فكان أحد الحراس يقود الضيوف إلى المجلس، حيث يستقبله الشيخ بحفاوة بالغة مرتدياً الزي الرسمي، بعدها يُدعى الضيف للجلوس ويقدم له المقهوي القهوة، وكان الضيف الأكثر أهمية وأكبر سناً يحظى بشرف الجلوس على يمين الشيخ الذي كان يحرص بدوره على التحدث مع كل ضيوفه، ويسألهم عن أحوالهم وأخبارهم بالتفصيل.

المجلس الاستشاري الوطني

مع تسلّم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مقاليد الحكم في أبوظبي عام 1966، تمت إضافة مزيد من التحسينات على قصر الحصن. وفي عام 1968؛ تم تشييد المجلس الاستشاري الوطني خارج جدران الحصن، وهو المكان الذي عقد الشيخ زايد الأول فيه أول مجلس له، وكان الشيخ زايد ينوي أن يكون هذا البناء مجلساً خاصاً له، ثم رأى أنه سيكون مناسباً ليكون المجلس الاستشاري الوطني، الذي يجسّد الشكل الحديث للمجلس. لاحقاً، أصبح المجلس مكاناً تُعقد فيه الأحداث التاريخية المهمة بعد تشكيل الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، حيث استضاف الاجتماعات الأولى للمجلس الوطني الاتحادي.


مجلس سلامة بنت بطي

إلى جانب مجلس الحاكم؛ شهد «الحصن» مجالس أخرى، منها مجلس النساء، حيث استضافت الشيخة سلامة بنت بطي، المجلس النسائي في إحدى الغرف المحيطة بغرفتها الخاصة، وكان يضم صفوة سيدات المجتمع آنذاك، سواء الإماراتيات أو غيرهن من السيدات الزائرات. وقد وصف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، المرأة بأنها نصف المجتمع، تأكيداً على دورها المهم، وهو وصف ينطبق على قصر الحصن، حيث كانت العائلة وأفراد المجتمع يأتون لطلب الاستشارة من هؤلاء النسوة اللواتي عُرفن بحكمتهن وسداد رأيهن.

بدأ حصناً لحماية سكانها، ثم تحوّل مركزاً للحكم ومسكناً للحاكم وأسرته، ثم مقراً للحكومة لتصريف شؤون البلاد.

طباعة