يتجنّب مزالق أفلام السير الذاتية

    «جودي».. أداء رينيه زيلويغر الممتع يغطّي نواقص السيناريو

    صورة

    من هي جودي غارلاند؟ لن يعرفها صغار السن بالطبع من مرتادي الصالات، لكنها حتماً معروفة في أوساط المتعمقين في السينما، خصوصاً حقبة هوليوود الذهبية أو الكلاسيكية التي انطلقت خلال الحرب العالمية الأولى حتى آخر الستينات.

    الذي يعرف جودي غارلاند سيتذكر صورة واحدة لها هي دوروثي غيل من فيلم The Wizard of Oz عام 1939؛ لكن قلة الذين يتذكرون غارلاند الستينات، امرأة مدمنة حبوب ومسكرات، وتعيش نوبات تدمير ذاتية، وجراء ذلك فقدت قوتها الغنائية.

    كانت غارلاند الستينات التي قبلت عرضاً غنائياً لخمسة أسابيع في لندن مجرد ظل لصورتها السابقة القوية السائدة في الأربعينات والخمسينات. وبعد عرض لندن بستة أشهر فارقت الحياة بسبب تعاطيها جرعة زائدة من حبوب تنويم.

    لهذا الفيلم المعنون باسمها الأول Judy، والذي تبدأ عروضه اليوم في الدولة، يتناول سيرتها، ركّز المخرج الانجليزي رووبيرت غوولد بالتعاون مع كاتب النص توم إيدج، الذي بدوره اقتبس النص من مسرحية بيتر كويلتر «نهاية الطيف»، على أوائل عام 1969 وصراع جودي (رينيه زيلويغر) ضد نفسها وضد فنها في آخر لحظات حياتها الممتدة لـ47 عاماً فقط.

    كابوس ونبرة كئيبة

    يطرح الفيلم فرضية مدعومة بالحقائق، وهي أن المرأة المحطمة التي نراها آخر الستينات هي نتاج سوء معاملة عانتها في طفولتها. ولتوضيح ذلك يزود غوولد الفيلم بمشاهد استرجاعية لاستوديو تصوير فيلمها الأشهر «ذا ويزارد أوف أوز»، حيث نرى غارلاند الشابة آنذاك (دارسي شو) بعمر 16 ربيعاً مرغمة على الخوض في برنامج غذائي صارم من قبل مدير استوديو إم جي إم لويس بي. ماير.

    أجبرت جودي على تعاطي المنشطات وقت الإفطار لمنحها الطاقة ومنوم ليلاً. ويلمح الفيلم إلى أن جودي اكتسبت عادة تعاطي مخدرات جراء هذا البرنامج الغذائي، وهو بمثابة كابوس سكن جودي، وأقلقها بقية حياتها.

    لم تكن حياة جودي سعيدة؛ وهذا ينعكس حتى على نبرة الفيلم الكئيبة باستثناء بعض المشاهد الغنائية هنا وهناك، وأبرزها أغنية «في مكان ما فوق الطيف»، لكنه - أي الفيلم - يبرز وجهة نظر واضحة ومتحفظة في إبداء العواطف المبالغ فيها.

    يبدأ الفيلم في 1968، ونرى جودي تغني في مسرح بالاس في نيويورك مع طفليها (لورنا) و(جووي). جودي أم مخلصة لكنها لا تتمكن دائماً من الوفاء بالتزاماتها المالية كأم، خصوصاً أن وضعها المالي في الحضيض بعد غرقها في الديون. تُطرد من الفندق وتجبر على أخذ طفليها إلى منزل زوجها السابق سيد لفت (روفوس سيويل)، وتضطر لقبول عرض لندن الغنائي والمغري مالياً.

    بينما هي هناك، تصارع شياطينها وتتحول إلى صداع بالنسبة للفتاة المكلفة بالاهتمام بها والإشراف على احتياجاتها روزالين وايلدر (جيسي بكلي)، ومالك الملهى الليلي المسمى «حديث المدينة» بيرنارد ديلفونت (مايكل غامبون).

    تتواصل جودي مع ميكي دينز (فين ويتروك)، وهو شاب لطيف يسمعها كلاماً طيباً قابلته جودي في الولايات المتحدة في فترة سابقة وتقع في غرامه لاحقاً وتتزوجه. للعلم، حسب السياق التاريخي لقصة جودي فإن ميكي هو من وجد جثتها في منزلهما المستأجر في لندن.

    دور استثنائي

    تحمل زيلويغر الفيلم بأكمله على كتفيها بلا منازع، ورغم أنه طرح قبل افتتاح موسم الأوسكار رسمياً، إلا أنها تمكنت من وضع اسمها على قوائم ترشيحات أفضل ممثلة. تؤدي زيلويغر دوراً استثنائياً غاصت فيه في أعماق الشخصية، ولم تكتفِ فقط بتقليد جودي غارلاند.

    من ناحية المظهر الجسدي، فقد خاضت زيلويغر التجربة بتغييرات راديكالية طالت وجهها وطريقة تكلمها إلى درجة أن الممثلة شاهدت أفلاماً عن غارلاند حتى تتقمص لغتها الجسدية. كما تدربت زيلويغر مع مدرب صوت للتدرب على طبقات الصوت للشخصية الحقيقية.

    والحقيقة تقال، رغم أننا خلال الفيلم قد نشاهد لمحات من زيلويغر هنا وهناك، لكن الشخص الظاهر أمامنا على الشاشة حتماً جودي غارلاند. بتقليص أحداث الفيلم إلى رحلة لندن فقط، فإن جودي يتجنب مزالق أفلام السير الذاتية؛ وأبرزها سرد كثير من التفاصيل في وقت قصير نسبياً.

    الفيلم ليس قصيراً ولا سريعاً أي ليس مستعجلاً ولا مضغوطاً، لكن هناك بعض التضحيات في مثل هذه السيناريوهات. أولاً، أجزاء كبيرة من حياة جودي لا تحدث على الشاشة وهي إما يتم تجاهلها أو تذكر سريعاً. ثانياً، المشاهد الاسترجاعية المتعلقة بفيلم «ذا ويزارد أوف أوز» آسرة جداً إلى درجة أن المشاهد قد يتمنى بقاء الفيلم فيها مدة أطول. ثالثاً، لويس بي. ماير من الممكن أن يكون شريراً مثالياً للفيلم لو بقي فترة أطول في المشاهد الاسترجاعية.

    أو فلنقل، لو كان الفيلم بأكمله في فترة تصوير فيلمها الأشهر لكان لدينا فيلم آخر فيه ضحية وشرير بدل قصة امرأة محطمة. طبعاً القصة أقوى في تلك الحالة، لكن ذلك لن يعطي فرصة لزيلويغر لاستعراض عضلاتها في الأداء.

    رغم أن «جودي» لا يلتزم بالأحداث وفقاً للترتيب الزمني بالنسبة للأشهر الأخيرة لبطلة القصة، لكنه يزوّد المشاهد بقصة مؤثرة عن سقوط إحدى إيقونات أميركا الغنائية في القرن الـ20. مسار القصة قابل جداً للتخمين، لأن مادة الفيلم عن إدمان المخدرات والخمر وهي مألوفة جداً في السينما، لكن نعود إلى أداء زيلويغر، ونقول رغم أنه لم يكن أسطورياً، لكنه حتماً قوي وممتع وجميل، وهو الصمغ الذي يلصق تشققات السيناريو العديدة، وهو ما يبقي الفيلم متماسكاً.

    للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

    تستحق «الأوسكار»

    كل نواقص السيناريو مغطاة تماماً بأداء وفطنة زيلويغر التي ترشّحت عن أدوارها في «بريجيت جونز دايري» 2001، و«شيكاغو» 2002، وحازت أوسكار أفضل ممثلة مساعدة في «جبل بارد» 2003، وحتماً هي تستحق فوزاً عن أدائها شخصية جودي غارلاند.

    • لم تكن حياة جودي سعيدة؛ وهذا ينعكس حتى على نبرة الفيلم الكئيبة باستثناء بعض المشاهد الغنائية هنا وهناك.

    • 47 عاماً عاشتها جودي غارلاند، ويركز العمل على ملامح من سيرتها.

    طباعة