90 ٪ من مكاتب الوساطة مهدّدة بالإفلاس

مكاتب الوساطة طالبت بالدعم والحماية من منافسة نظيرتها الأجنبية. تصوير: باتريك كاستيللو

حذّر وسطاء وخبراء ماليون من أن تراجع أسواق المال المحلية، أخيراً، أثّر بصورة سلبية في أداء شركات ومكاتب الوساطة في الأوراق المالية.

وقالوا إن «ما يصل إلى 90٪ من شركات الوساطة مهدّدة بالإفلاس؛ بسبب تدني عمولتها، نتيجة التراجع الكبير في أحجام التداول اليومية وهبوط أسعار الأسهم».

واتهم وسطاء هيئة الأوراق المالية والسلع بتجاهل مطالبهم التي قدموها منذ ثلاثة أشهر، التي أكدوا فيها ضرورة وجود دعم مادي ومعنوي، فضلاً عن ضرورة التدخل لحماية شركات الوساطة من ممارسات المكاتب التابعة للبنوك الاستثمارية الأجنبية، والتي لا يتم رقابتها من قبل الهيئة بالمعايير نفسها التي تطبّق على نظيرتها الوطنية.

ودعوا الهيئة إلى التخفيف من شروطها، وزيادة نسبة عمولة عمليات البيع والشراء للأوراق المالية.

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية والسلع، عبدالله الطريفي، إن «الهيئة تجاوبت مع معظم طلبات الوسطاء التي تقدموا بها في اجتماعهم الأخير مع الهيئة، كما تم تحويل بقية المطالبات للجهات المختصّة للبت فيها، سواء المصرف المركزي أو إدارة سوقي الأوراق المالية في أبوظبي ودبي». ولفت إلى أن «هناك طلبات بعضها يخرج عن صلاحيات الهيئة من الناحية القانونية، والآخر لا يتوافق مع عمل الهيئة الرقابي والإشرافي ويتعارض مع دورها الحيادي الذي يراعي مصالح جميع الأطراف في السوق».

وأكد لـ«الإمارات اليوم» أن «هناك تنسيقاً مستمراً مع وسطاء مكاتب الوساطة، وتم إبلاغهم بكل التفاصيل المتعلقة بطلباتهم، ووجهة نظر الهيئة فيها»، نافيا أن «يكون هناك أي تمييز في الرقابة بين المكاتب التابعة للبنوك الاستثمارية ونظيرتها الوطنية».

العمولة

وتفصيلاً، أشار الرئيس التنفيذي لشركة «شعاع» للأوراق المالية، محمد علي ياسين، إلى أن «الإيرادات الرئيسة لمكاتب الوساطة تأتي من عمولتها اليومية من البيع والشراء، وإذا علمنا أن حجم التداول في سوق المال المحلي خلال الربع الأخير من العام الماضي بلغ 55 مليار درهم، فإن ذلك يعني أن عمولة الوسطاء تقدر بنحو 170 مليون درهم».

واستطرد: «إذا تم تقسيم تلك العمولات على 100 شركة بشكل تقريبي، فإن دخل كل شركة سيصل الى نحو مليون و700 ألف درهم فقط خلال الربع الأخير، مع الأخذ في الحسبان عدم تساوي حصص الشركات من هذه العمولة».

ونبّه إلى أن «أكبر 40 شركة وساطة تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الأموال».

وأضاف «العام الجاري سيكون صعباً على معظم مكاتب الوساطة، فقدرتها على الاستمرار مرهونة بملاءتها المالية وعمرها التشغيلي واحتياطاتها القديمة التي تمكنها من تحمل دورات الهبوط التي تتعرض لها الأسواق».

وقال إن «أكبر 25 إلى 40 شركة قامت باتخاذ خطوات لمواجهة الأزمة، منها إغلاق بعض الفروع، والاستغناء عن جزء من موظفيها أو إعطائهم إجازة مفتوحة لحين عودة الأسواق لسابق عهدها، فضلاً عن قيام البعض بمحاولة تغطية مصاريف بعيداً عن الخسائر أو اللجوء إلى تجميد الرخصة وعدم ممارسة أي نشاط حتى ينتهي الوضع الحالي وتنشط التداولات».

وشدد على أهمية أن «تحظى مكاتب الوساطة بدعم كل من هيئة الأوراق المالية وإدارات السوقين والمصرف المركزي مادياً ومعنوياً، ومساعدتها على تجاوز المرحلة الراهنة».

منافسة غير شريفة

وأوضح ياسين «مكاتب الوساطة طرف أساسي في الأسواق المالية ويجب أن تنظر هيئة الأوراق المالية باهتمام للمطالب التي قدمناها في اجتماعنا بهم منذ ثلاثة أشهر تقريباً، التي تضمنت 14 بنداً لم نتلق أي رد عليها حتى الآن، باستثناء قرار تأجيل تطبيق التداول بالهامش، وعلى المصرف المركزي أن يخاطب البنوك التي أوقفت خطوط الائتمان والتسهيلات مع عدد من شركات الوساطة، ما تسبب في إغلاقها، حتى تستحوذ على عملائها وتضمهم لقائمة عملاء المكاتب التابعة لها، الأمر الذي يعد منافسة غير شريفة».

وحول مكاتب الوساطة التابعة للبنوك الأجنبية، قال: «الهيئة فتحت الباب لترخيص الشركات غير الوطنية منذ 2005 والتابعة لبنوك استثمارية أجنبية، وللأسف فإنها لا تخضعها للمعايير الرقابي نفسها التي تطبقها على الشركات الوطنية، إضافة إلى تقديم هذه الشركات لخدمات إضافية تدر عليها عوائد إضافية تمكنها من الاستمرار بشكل أفضل من المكاتب الوطنية، ما يؤصل أجواء غير تنافسية أضرت بالأسواق».

وطالب ياسين الهيئة بإحكام رقابتها على الأوامر الوهمية التي يضعها بعض المستثمرين ولا ينفذونها، ما يؤثر في مجريات التداول، خصوصاً إذا كانت بأحجام كبيرة، فضلاً عن مراجعة البيانات الخاصة بإيرادات الأسواق التي كانت تميل إلى المبالغة في الماضي لتشجيع شركات الوساطة على الدخول.

تعثر الشركات

أما الخبير المالي، حسين العويد، فقال: «مكاتب الوساطة تعتمد كلياً على عمليات البيع والشراء وليس لها مداخيل أخرى غير السمسرة، وبالإطلاع على ميزانياتها الأخيرة نجد أن مصاريفها الشهرية تتراوح بين 300 و500 ألف درهم، ما يتطلب تداولات يومية لا تقل عن 30 مليون درهم تتم من خلالها، وهو مالا يمكن إطلاقا في ظل التراجعات الحالية، وهذه الأرقام توحي بأن 90٪ من هذه المكاتب تعاني حالة تعثر شديد، وتوشك على الإفلاس».

وأضاف أن «هناك متطلبات كثيرة لهيئة الأوراق المالية بحاجة إلى إعادة نظر، منها ضرورة أن يضم أي مكتب وساطة اربعة وسطاء ومديرا للتداول ومديرا للعمليات ومدققَين داخليا وخارجيا، سواء كان هناك تداول أم لا، وكذلك مراجعة نسبة العمولة المنخفضة التي تسبب خسارة مضاعفة للمكاتب».

ولفت مدير عام شركة «الأنصاري للخدمات المالية»، وائل أبو محيسن، إلى أن «معظم مكاتب الوساطة لديها محافظ خاصة بأصحابها، وهي أساس عملها وتعد المورد الرئيس لها، وللأسف الشديد هذه المكاتب تعرضت لخسائر بالملايين ولا تستطيع الخروج من السوق، لأن هذه طبيعة عملها على الرغم من أن كثيرا منها أصبح لديه قناعة بضرورة الخروج، لذا نجد التفكير السائد بينها هو التوجه للاندماج مع مكاتب أخرى حتى تتمكن من الاستمرار».

ردّ «الهيئة»

إلى ذلك، قال الرئيس التنفيذي لهيئة الأوراق المالية والسلع، عبدالله الطريفي، إن «الهيئة تلقت جميع مطالب الوسطاء باهتمام شديد خلال اجتماعها الأخير بهم، وتم التجاوب مع معظمها مما يقع ضمن اختصاصات الهيئة وفي نطاق صلاحياتها، وتم إحالة جزء من الطلبات إلى المصرف المركزي، وأخرى لإدارات السوقين كل حسب اختصاصه»، لافتا إلى أنه «تم إبلاغ الوسطاء بوجهة نظر الهيئة فيها».

وأوضح أنه «من المطالب التي تقدم بها الوسطاء ووجدنا أنها تقع في نطاق اختصاص جهة أخرى، خفض عدد ساعات التداول، وكذلك خفض الحد الأدنى والأقصى لهبوط وصعود الأسهم إلى 5٪، بدلاً عن 10٪، وهذان الطلبان حولناهما لإدارة السوقين، اللتين كانتا لهما رأي بأن آلية عمل الأسواق لا تسمح بتطبيق ذلك، خصوصاً أن سوق دبي خفّض النسبة إلى 10٪ بدلاً عن 15٪ ليتوافق بذلك مع سوق أبوظبي، فضلاً عن خفض عدد ساعات التداول لن يكون في مصلحة الأسواق على المديين المتوسط وطويل الأجل».

وتابع: «من المطالب التي قدمت، قيام الهيئة بتأسيس شركة تمويل بضمان الأسهم، وهو مطلب يخرج الهيئة عن طبيعة عملها ويتنافى مع دورها الحيادي الذي يراعي جميع أطراف السوق؛ وفي ما يتعلق بطلبهم أن يمنحهم «المركزي» رخصة استثمارية، فهو أمر يتطلب رأس مال كبيرا لا يتوافق مع رأس مال شركات الوساطة، وهو يعني إعطائها الحق ضمنياً لممارسة عمل البنوك».

ونفى الطريفي أن يكون هناك أي تمييز في تطبيق المعايير الرقابية بين مكاتب الوساطة التابعة للبنوك الأجنبية الاستثمارية ونظيرتها الوطنية، قائلا: «من المستحيل أن يكون هناك اختلاف في تطبيق الرقابة بين هذه الأطراف، لأن دور الهيئة الرئيس يقوم على الرقابة والإشراف من دون محاباة لطرف على حساب طرف آخر».

تنسيق «المركزي»

وكشف الطريفي أن «هناك تنسيقاً بين (الهيئة) والبنك المركزي، ودراسة تراعي الجوانب القانونية لاتخاذ إجراءات بحق البنوك التي تسمح لعملائها بالبيع على المكشوف، حيث لا تستطيع آلية عمل السوق الحالية اكتشاف هذا النوع من الممارسات التي تضر بالأسواق، وتدخل النظام كبيع وشراء عاديين».

ولفت إلى أنه «حال التوصل لأفضل صيغة قانونية ربما يحق للهيئة أن تقاضي البنوك المتورطة، فضلاً عن مخالفة جميع الوسطاء الذين يسمحون ببيع المكشوف ويمارسونه»، مضيفاً «خاطبنا مركز دبي المالي العالمي للتعميم على البنوك الأجنبية لمنع بيع المكشوف، وذلك في إطار التجاوب مع مطالب الوسطاء».

وقال الطريفي : «سهلنا شراء الشركات لأسهمها وتنازلنا عن بعض الشروط الخاصة بذلك». واشار إلى أن «من المطالب التي تقدم بها الوسطاء أن يمثلوا في مجلس إدارة الهيئة، وكان ردنا أننا طلبنا منهم عمل اتحاد أو جمعية تمثلهم، بحيث يمكن دعوتهم لحضور اجتماعات الهيئة من وقت الى آخر، وإلى الآن لم يتم اتخاذ إجراءات في هذا الصدد من قبلهم».

واختتم الطريفي «الأسواق تتأثر بأزمة مالية عالمية تعاني من تداعياتها جميع الدول، لكن ما يبعث على التفاؤل أن هناك ثوابت قوية يرتكز إليها اقتصاد الدولة، ولن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تعاود الأسواق نشاطها ومعها كل الأطراف من مستثمرين ووسطاء وإدارة أسواق».

الاندماج.. خيار مطروح

وبحسب المحلل المالي، وضاح الطه، فإن «انخفاض التداولات في أسواق الإمارات أدى الى تبعات أساسية واضحة، منها انخفاض عمولة شركات الوساطة وبالتالي مواجهتها لمشكلات عدم القدرة على تغطية مصروفاتها الثابتة المرتفعة، خصوصاً أن حصص السوق للمكاتب غير متجانسة، حيث تستحوذ 10 شركات تقريباً على 75٪ من قيمة التداولات»، مضيفاً أن «معظم الضغط على هذه الشركات يأتي من التكاليف الثابتة، مثل الرواتب والتوسعات، والحل الأفضل يكمن في ضرورة التفكير بجدية في الاندماج لإعطائهم الفرصة لتعويض خسائرهم وتقليل المصاريف وتوسيع قاعدة المتداولين».

وطالب الطه هيئة الأوراق المالية والسلع بـ«مراجعـة الحدود الدنيا للوسطاء، أي تصنيف الشركات بحيث تعطي للصغيرة منها دوراً محدداً لا تتجاوزه منعاً للمخاطرة وحماية لهذه المكاتب نفسها».

طباعة