أكّدوا وجود تحركات دولية للتخلص من الانبعاثات الكربونية

خبراء يرسمون سيناريوهات للتعامل مع تداعيات سيطرة الطاقة النظيفة على العالم

الاتحاد الأوروبي أنتج لأول مرة كميات كهرباء من المصادر المتجدّدة غير الكربونية. أرشيفية

منذ خمسينات القرن الماضي تقوم مؤسسة «راند» الأميركية للأبحاث، بالتعاون مع وزارة الدفاع الأميركية، بتصميم محاكات لمناورات عسكرية، وبوضع نماذج للسيناريوهات الأمنية العملية، التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة، مثل خوض حرب على جبهتين في وقت واحد ضد روسيا والصين. والآن حولت مؤسسة الأبحاث أدوات «سياسة الواقع» لديها للتعامل مع قضايا أكثر ارتباطاً بمجالات البيئة.

ومن هذا المنطلق، تساءل كبير محرري الشؤون الدولية، مارك شامبيون، في تحليل نشرته وكالة «بلومبيرغ» للأنباء عن الكيفية التي ستغير بها الطاقة النظيفة العالم.

وذكر شامبيون أن مؤسسة «راند» أصبحت واحدة ضمن عدد قليل، لكنه يتزايد من مؤسسات البحث والجامعات وحكومة أوروبية واحدة على الأقل، أصبحت تضع سيناريوهات وتنظم المناورات التدريبية للتعامل مع التداعيات الجيوسياسة لسيطرة الطاقة النظيفة على العالم في المستقبل.

الطاقة المتجددة

هذا الاهتمام يمثل أحدث إشارة إلى أن فكرة استخدام مصادر الطاقة المتجددة بديلاً للوقود الأحفوري تسود حالياً. فقد كان العام الماضي نقطة تحول عندما انضمت الصين، وهي أكبر مصدر لتلوث الهواء في العالم، إلى بقية الدول والشركات الكبرى في تحديد موعد مستهدف للتخلص تماماً من الانبعاثات الكربونية. كما أن الاتحاد الأوروبي أنتج لأول مرة كميات كهرباء من المصادر المتجددة غير الكربونية، تفوق الكميات المولدة من المصادر الكربونية.

وأعاد الرئيس الأميركي، جو بايدن، قضية مكافحة التغيّر المناخي إلى جدول أعمال الرئاسة الأميركية، بعد أن كان سلفه دونالد ترامب قد تجاهلها.

وذكر شامبيون أنه يمكن أن يكون لهذا التحول الأساسي في النظام العالمي تداعيات عديدة، فالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد يكافح من أجل المحافظة على صعود روسيا «كقوة عظمى في مجال الطاقة». كما أن انهيار صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة، إلى جانب سيطرة الصين على صناعة مستلزمات الطاقة المتجددة، يمكن أن تحدد خريطة القوى العظمى في القرن الـ21.

وأشار إلى أنه على الرغم من أن مصادر الطاقة النظيفة من الشمس إلى الرياح وأمواج البحر متاحة للجميع تقريباً، فإن المعركة ستكون حول من سيحقق أرباحاً من المنتجات المستخدمة في إنتاجها. وستكون هناك منافسة حامية بين دول العالم، من أجل الحصول على احتياجاتها من ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات طاقة الرياح، وهو ما يعني أن كثيراً من الدول الأقل حظاً لن تحصل على نصيبها من هذه المنتجات.

الجوانب الجيوسياسية

قال رئيس أيسلندا السابق، أولافور راجنار جريمسون، الذي كان يترأس لجنة دولية لدراسة الجوانب الجيوسياسية للتحول في مجال الطاقة، إن «أي شخص يمكن أن يكون لاعباً رئيساً في مجال الطاقة. هذه هي طبيعة الطاقة المتجددة».

وأضاف جريمسون أن «المستقبل للطاقة النظيفة، وأيسلندا تحصل على 85% من احتياجاتها من الطاقة من مصادر نظيفة، ويعتمد كامل إنتاجها من الكهرباء على مصادر متجددة. وكانت آخر مرة خاضت فيه أيسلندا نزاعاً مع دولة أخرى حول موارد طبيعية، دارت حول مصائد الأسماك».

وتابع جريمسون: «العالم يحتاج إلى نموذج جيوسياسي جديد. لا يمكن وضع مصادر الطاقة المتجددة في إطار النموذج القديم نفسه الخاص بطاقة الفحم والنفط».

وحتى تفرض الطاقة المتجددة هيمنتها على العالم، يمكن أن تكون للنفط تأثيرات مدمرة طويلة المدى. فعلى مدى ثلاثة قرون تقريباً، كان الوصول إلى الوقود الأحفوري يحدد صعود وسقوط القوى العظمى. فقد ساعدت مناجم الفحم الوفيرة الموجودة في مواقع جيدة على إطلاق الثورة الصناعية لبريطانيا وتوسيع إمبراطوريتها.

كما عزز النفط والغاز القوة العسكرية للاتحاد السوفييتي السابق، وشكلت ثروة النفط والغاز ملامح «القرن الأميركي»، بما في ذلك التحالفات الأميركية وانتشار أساطيل الولايات المتحدة العسكرية حول العالم.

غياب السيطرة

من جهته، قال رئيس مشروع دراسة التأثيرات النظامية للتحول نحو الطاقة النظيفة، الذي تديره جامعة «إيرفورت» الألمانية، أندرياس جولدتو: «نحن لم نقترب بعد من عالم تسيطر عليه الطاقة المتجددة».

وأضاف جولدتو: «إن الشيء الوحيد الذي نعرفه عن مراحل التحول هو أنها ليست خطاً مستقيماً أبداً».

ألواح الطاقة الشمسية

تنتج الشركات الصينية حالياً نحو 60% من إجمالي إنتاج العالم من ألواح الطاقة الشمسية. وهذا الوضع يخلق ميزة تجارية كبيرة للصين، لكن لا يمكن للرئيس الصيني، شي جين بينغ، الاستفادة منها بسهولة لتحقيق أهداف جيوسياسية.

ورغم ذلك، من المرجح أن تتركز عدم المساواة والتنافسات العالمية على الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل، ووضع المعايير والسيطرة على التجارة في المواد الخام الأساسية المستخدمة في صناعة مستلزمات مشروعات الطاقة المتجددة، حيث تسيطرة الصين على أكثر من 90% من بعض المعادن الأرضية النادرة اللازمة لصناعة توربينات الطاقة والسيارات الكهربائية.


- فكرة استخدام مصادر الطاقة المتجددة بديلاً للوقود الأحفوري تسود حالياً.

طباعة