‬5 دقائق

دين الله يسر

*كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

دين الله يسر على لسان من لا ينطق عن الهوى ؛ لأنه دين وسطي مائل عن الشدة التوراتية والليانة الإنجيلية {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } بعث الله به سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل ليعيد هذه الملة إلى وضعها الإلهي الذي لا غلو فيه ولا تفريط، وكم ناشد أهل الكتاب ترك غلوهم، وتقصيرهم، وأن يسلكوا الملة الحنيفية ملة إبراهيم التي يزعمون اتباعها، إلا أنهم ضلوا عن سواء السبيل؛ لاتباعهم أحبارهم ورهبانهم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، والمصالح العاجلة على الآجلة، وهكذا يُضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين الذي وضعه الله لعباده وارتضاه لهم وأمرهم بلزومه، هو دين يسر في تشريعه وأدائه؛ من معتقدات وعبادات ومعاملات. فكان تشريعه يسيراً في تنزله وتطبيقه، فلم ينزل جملة واحدة كما نزلت الكتب السابقة، بل ظل يتنزل شيئاً فشيئاً مدة ثلاث وعشرين سنة، فكان يسيراً على قلب النبي صلى الله عليه وسلم مع عظم ثقله، ويسيراً على المسلمين يتدرج بهم بالأخف فالأخف حتى أكمل الله دينه وأتمّ نعمته.

وكان يسيراً في معتقداته فلم يمتحن الناس بما تعي العقول به، بل أراد منهم أن يؤمنوا ببيانه ومجمله، ومحكمه ومتشابهه، من غير خوض فيما تتقاصر عن فهمه العقول، وذلك كافٍ لهم عند ربهم، به النجاة والفلاح.

وكان يسيراً في عباداته فشرعها بما تقتضيه القدرة البشرية، ورفع فيه الحرج والعنت والمشقة، فأمر بالصلاة على الحال الذي يقدر فيه المرء على أدائها، وأمر بالزكاة عند فضول الأموال، وبنسبة لا إجحاف فيها، تحقق التكافل وتحفظ الحقوق وتعود بالخير على المزكي، وشرع الصيام مع القدرة، وأسقطه إلى بدل أو فدية عند فقدها، وشرع الحج على المستطيع مادياً وجسدياً وزمنياً وأمنياً.

وكان يسيراً في معاملاته فلم يجعلها نصوصاً جامدة، بل مرنة بما يناسب كل عصر ومصر، بما يحقق العدالة، ويرفع الظلم والابتزاز، ويحفظ الحقوق، ويمنع الخصومة. ذلكم هو يسر الإسلام الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه» وطبقه في نفسه «فما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً»، ودعا أمته إليه بقوله: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا، ولا تنفروا»، وحذر من سلوك غير هذا السبيل فقال: «هلك المتنطعون (قالها ثلاثاً)»، وقال: «لقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوَّكوا، ولا يغرنكم المتهوِّكون»، وهكذا فهم الأئمة هذا المنهج، فكان تقريرهم للفقه عليه كما قال الإمام مالك وقد سئل عن الكحل المطيب للمعتدة «وإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر».

وهذا ما قرره الشيخ الملهم المسدد صاحب السموّ الشيخ محمد عند لقائه الأخير مع الإعلاميين حين قال: «الإسلام دين يسر، لا دين تشدد، لكن ممارسات بعض المسلمين هي التي قد تشوّه صورة الإسلام في بعض الأحيان، أعتقد أن الأخلاق الإسلامية الحسنة هي التي تحبِّب الناس في هذا الدين، ولو التزم بها كثير من المسلمين لتغيرت صورتهم في العالم».

فيا ليت الناس يفهمون هذا ويعملون بمقتضاه.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

تويتر