5 دقائق

*كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

الربانية خِلعة إلهية للعلماء الفقهاء الحكماء، الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره. الذين تمتلئ جوانحهم رحمة بالناس، ويحرصون على نفعهم وإفادتهم بما يقدرون عليه، مما ورثوه من أنوار النبوة، وما تعلموه من هدي الإسلام ونور القرآن. الذين تسبق أفعالُهم أقوالَهم، وأحوالُهم تحركاتِهم. الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.

هؤلاء الربانيون هم الذين حملهم الله تعالى مسؤولية دعوة خلقه وعباده إلى الخير، وتحذيرهم مما فيه شر وضير، كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبانِيينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}. وكما قال جل في علاه: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الربانِيونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}.

هؤلاء الربانيون هم الذين يفتح الله تعالى بهم آذاناً صماً، وقلوباً غُلفاً، وأعيناً عمياً، هم الذين يهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم؛ كل ذلك لأنهم منسوبون إلى الرب سبحانه، وهو المربي عباده، والرازق لهم على ما في كثير منهم من الجحود له والتنكر لآلائه، فلا يعاجلهم بعقاب، ولا يمنعهم ما يحتاجونه من طعام وشراب، وإلا لما ترك على ظهرها من دابة، خيره إليهم نازل، مع أن شرهم إليه صاعد، ومع كل ذلك فهو يتفضل عليهم بالنعم، ويمنع عنهم النقم، كما قال لإبراهيم عليه السلام: {قال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتعُهُ قَلِيلًا ثُم أَضْطَرهُ إِلَى عَذَابِ النارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}. فلابد لمن نسبهم الله إليه بصيغة المبالغة «رباني» أن يتحلوا بمعاني الربانية التي وصفهم الله تعالى عليهم بها حتى يعم نفعهم العباد، ويبقى أثرهم في كل ناد وواد. ومن أهم تلك الصفات: الرحمة بالخلق، لاسيما أهل المعاصي الذين أغواهم الشيطان وأضلهم عن سواء السبيل، كما كان الرؤوف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه، الذي بلغت به الرحمة بالعصاة من الكفار مبلغاً كبيراً، أشفق عليه فيه ربه، حتى قال له: {لَعَلكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}، ومازال كذلك حتى آيسه الله تعالى منهم بقوله سبحانه: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِن اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِل وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}. وقد كان من رحمته أن يترك العمل وهو أحب إليه خشية أن يفرض على أمته، وتبلغ به الرحمة أن ينهى أصحابه عن قيام الليل كله، وصيام الدهر، والتبتل عن النساء، وإطالة الصلاة مع أنها قرة عينه، ويغضب على معاذ إذ أطالها فيهم، إلى غير ذلك من مقتضيات الرحمة بالخلق، حتى نعته الله تعالى بأنه: {رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ}، وأنه: { أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.

والربانيون من أمته هم ورثته القائمون بأعباء رسالته، المبلغون عنه شرعه لأمته، فلابد أن تكون هذه الصفة فيهم حتى يحصل بهم النفع والاهتداء.

وقد كان من هؤلاء الربانيين، رِبيون كثير فتح الله بهم البلاد وقلوب العباد، ودخل الناس بهدايتهم في دين الله أفواجاً، من غير سيف براق أو دم مهراق، بل بالكلمة الحسنة، والرحمة الحانية، وصدق الحديث، والمعاملة الراقية، والإيثار الكامل، والتضحية بالنفس، والعفة عن حق الآخرين، والزهد في الدنيا، والرغبة في ما عند الله.. فنالوا محبة الخالق بتخلقهم بالأخلاق العظيمة، فأورثهم محبة الخلق، فكانوا هداة مهديين، ملأوا الأرض عدلاً، والنفوس براً وخيراً. هذه هي الربانية التي نوه بها القرآن، وينشدها الناس، فلابد للعلماء منها، فإنها أوجب واجبات العلم، وأهم مطالب الخلق من العلماء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

تويتر