الذكاء الاصطناعي المسؤول يجب أن يحمي الإبداع البشري
قالت رشا خليفة المبارك، مؤسِّسة ورئيسة مجلس إدارة «ميوزيك نيشن»، إن «دولة الإمارات العربية المتحدة لم تنظر يوماً إلى المستقبل بوصفه أمراً ننتظره، بل تعاملت معه دائماً باعتباره واقعاً نصنعه ونبنيه، وتتجلى هذه الروح بوضوح في مختلف أنحاء الدولة، من خلال استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والتحول الرقمي، إلى جانب دعمها للمؤسسات الثقافية والتجارب الإبداعية التي تسهم في تشكيل صورة الإمارات وتعزيز تفاعل العالم معها».
وأضافت: «يتجسد ذلك في الدور المتنامي لأبوظبي كوجهة عالمية للفنون والترفيه والتبادل الثقافي، بدءاً من متحف اللوفر أبوظبي والمنطقة الثقافية في السعديات، وصولاً إلى مشروع (ديزني لاند أبوظبي) الذي أُعلن عنه مؤخراً في جزيرة ياس. وهذه التطورات ليست مسارات منفصلة، بل تعكس إيماناً وطنياً راسخاً بأن الابتكار والثقافة ركيزتان أساسيتان للتقدم».
وأشارت رشا خليفة المبارك، إلى أنه «من هذا المنطلق، انضمت منصة (ميوزيك نيشن - MusicNation) إلى (حملة الفن الإنساني - Human Artistry Campaign)، لتصبح أول جهة من منطقة الشرق الأوسط تنضم إلى هذه المبادرة. وبالنسبة لنا، يمثل ذلك امتداداً طبيعياً لطموح دولة الإمارات الأوسع في توظيف التكنولوجيا بما يخدم الإنسان، مع ضمان احترام الفنانين والمبدعين والمجتمعات الثقافية وحمايتهم وتقدير إسهاماتهم».
ولفتت إلى أن دولة الإمارات من أكثر دول العالم استشرافاً للمستقبل في نهجها تجاه الذكاء الاصطناعي، ففي عام 2017 أصبحت أول دولة تعين وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ومن خلال «استراتيجية الإمارات الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031»، وضعت الدولة هدفاً واضحاً يتمثل في ترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال، عبر الاستثمار في الكفاءات البشرية والقطاعات الحيوية والبنية التحتية، وأطر الحوكمة المسؤولة.
وهذا الطموح لا يقتصر على التكنولوجيا المتقدمة فحسب، فقد جعلت دولة الإمارات كذلك من الصناعات الثقافية والإبداعية أولوية وطنية، من خلال استراتيجية تهدف إلى رفع مساهمة هذا القطاع إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031، وترسيخ حضور الدولة على الخريطة الثقافية العالمية، واستقطاب المواهب الإبداعية ورواد الأعمال من مختلف أنحاء العالم.
وهاتان الرؤيتان ترتبطان بشكل وثيق، فالدولة التي تسعى إلى الريادة في مجال الذكاء الاصطناعي، يجب أن تقود أيضاً الجهود الرامية إلى حماية الإبداع البشري، والدولة التي تترسخ مكانتها كمركز ثقافي عالمي مطالبة ببناء أنظمة تتيح للفنانين وكتاب الأغاني والملحنين والمؤدين والناشرين وشركات الإنتاج، وغيرهم من أصحاب الحقوق المشاركة الكاملة والعادلة في القيمة التي يولدها عملهم الإبداعي.
وينطبق ذلك بشكل خاص على قطاع الموسيقى، فالموسيقى تُعد أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني عالمية، فهي تحمل الذاكرة والهوية واللغة والعاطفة والتراث، وتربط بين الناس عبر الأجيال والجغرافيا، كما تدعم قطاع السياحة، وتثري الفضاءات العامة، وتسهم في تشكيل الطريقة التي يعيش بها الناس المكان ويتفاعلون معه.
وفي دولة الإمارات، أصبحت الموسيقى جزءاً متزايد الأهمية من قصة ثقافية واقتصادية أكبر، فالدولة تبني مؤسسات ووجهات تدعو العالم إلى اكتشاف الفن والتراث والترفيه والإبداع على أرضها، وهو ما يفرض علينا مسؤولية ضمان أن تكون البنية التحتية الإبداعية قوية وقادرة على مواكبة النمو المستقبلي.
ومع تطور التكنولوجيا، تزداد أهمية هذه المسؤولية، فالذكاء الاصطناعي يمتلك إمكانات استثنائية تتيح للمبدعين العمل بطرق جديدة، وتوسع الوصول إلى أدوات لم تكن متاحة في السابق، كما تدعم الابتكار في مجالات الموسيقى والسينما والتصميم والألعاب والإعلام والتعليم.
وقالت رشا خليفة المبارك: «نحن نرحب بهذا التقدم، لكن لا ينبغي أن يأتي على حساب الاستخدام غير المصرح به للإبداع البشري، ولا يمكن التعامل مع الأغاني والأصوات والأداء والصور والملامح والقصص والأعمال الثقافية باعتبارها مجرد (مواد خام)، من دون موافقة أصحابها أو شفافية في الاستخدام أو تعويض مالي عادل. فالذكاء الاصطناعي المسؤول يجب أن يُبنى على الثقة، وأن يحترم الملكية الفكرية، وأن يدرك أن الإبداع الفني البشري ليس عقبة أمام الابتكار، بل هو الأساس الذي يستمد منه الابتكار إلهامه. وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه (حملة الفن الإنساني)، والتي تجمع منظمات من مختلف القطاعات الإبداعية والتكنولوجية لدعم نهج في الذكاء الاصطناعي يحترم الإبداع البشري، ويحمي حقوق المبدعين، ويضمن احتفاظ الفنانين وأصحاب الحقوق بالسيطرة على كيفية استخدام أعمالهم وأصواتهم وصورهم وملامحهم. وتفخر (ميوزيك نيشن) بالانضمام إلى هذا الجهد العالمي».
وبالنسبة إلى «ميوزيك نيشن»، يرتبط هذا الالتزام ارتباطاً مباشراً بمهمتنا في دولة الإمارات، فقد أُسست الشركة للمساهمة في بناء منظومة شفافة ومترابطة عالمياً لإدارة الحقوق الموسيقية انطلاقاً من دولة الإمارات. ويتمثل دورنا في ترخيص استخدام الموسيقى، وجمع العوائد المستحقة عن استغلال حقوق الملكية الفكرية، وتوزيعها بشكل عادل على المبدعين وأصحاب الحقوق، وبذلك نساعد على ضمان تداول الموسيقى داخل الاقتصاد بطريقة قانونية وشفافة ومستدامة.
ويكتسب هذا الدور أهمية كبيرة للمبدعين الذين يستحقون الحصول على مقابل عادل عند استخدام أعمالهم، كما يهم الشركات التي تحتاج إلى الوضوح والثقة بشأن الموسيقى التي تستخدمها، وهو أيضاً عنصر أساسي في بناء اقتصاد إبداعي ناضج؛ إذ لا يكفي وجود وجهات ثقافية ملهمة، بل لا بد من أنظمة قوية تحمي العمل الإبداعي وتحوّله إلى قيمة اقتصادية مستدامة.