بينيوف أطلق دعوة لجعله «حقاً إنسانياً» يقلل الفوارق بين الدول والشعوب

حملة لتوجيه الذكاء الاصطناعي نحو «الخير» والأعمال الإنسانية

بينيوف أكّد خلال «دافوس» أن الذكاء الاصطناعي سيصبح خدمة يحتاج إليها الجميع. من المصدر

الانشغال الدائم لقادة التقنية بتقديم الجديد، ومواصلة الإبداع الذي يقوي المنافسة، ويرفع العائدات والأرباح، لا يمنعان البعض منهم من الوقوف عند فكرة الأخلاق، والتفكير في ما هو خير، واتخاذ مواقف جادة في هذا السياق. ومن هؤلاء مؤسس ورئيس شركة «سيلز فورس»، مارك بينيوف، أقوى شركات تقديم الحوسبة السحابية وفئة البرمجيات المعروفة باسم «ساس»، أو تقديم البرمجيات كخدمة عبر الإنترنت وليس كمنتج، وهو من مليارديرات التقنية، والذي قاد دعوة عالمية، مع آخرين، لتوجيه «الذكاء الاصطناعي» نحو الخير والبناء، وجعله «حقاً إنسانياً» يقلل الفوارق بين الدول والشعوب، ويساعد على مزيد من الرفاهية للجميع. وكان بينيوف أول شخص بين قادة التقنية يقوم بتخصيص درجة وظيفية داخل شركته على، مستوى منصب «مدير تنفيذي»، يكون شاغلها مكلفاً بالتحقق من التزام الشركة في كل أعمالها بالأخلاقيات والتوجه نحو الخير.

وعلى الرغم من أن مارك بينيوف خطف الأنظار أكثر من مرة، خلال الفترة الماضية، سواء بخلافه العلني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حول سياسات الهجرة والتعامل مع اللاجئين، أو حينما عارض بصفة مطلقة إنتاج الروبوتات القاتلة والأسلحة العاملة بالذكاء الاصطناعي، إلا أنه عاد، أخيراً، وخطف الأنظار خلال مشاركته بمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا، الذي انتهت فعالياته أخيراً، حينما تحدث عن ضرورة جعل الذكاء الاصطناعي «حقاً إنسانياً» لكل البشر، يمضي في طريق الخير، ويوفر الرفاهية للجميع ويقلل الفوارق بين الدول والشعوب.

الذكاء الاصطناعي

وفي حديثه أمام منتدى «دافوس»، أكد بينيوف قناعته بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح حق الإنسان الجديد، خلال العقود المقبلة، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة اعتبرت النفاذ للإنترنت واستخدامها حقاً من حقوق الإنسان، والقطع المتعمد للإنترنت بمثابة انتهاك لحق من حقوق الإنسان، لكن، بحسب رأيه، فإنه خلال السنوات المقبلة، سيتم التعامل مع خدمات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، وستصبح إتاحة نظم وخدمات الذكاء الاصطناعي حقاً من حقوق الإنسان، وغيابها انتهاكاً لهذه الحقوق. ووفقاً لبينيوف، سيصبح الذكاء الاصطناعي خدمة يحتاجها الجميع، وستكون الدول والشركات على حد سواء أذكى، وأكثر صحة، وأكثر ثراء إذا كان لديهم ذكاء اصطناعي، ومن لا يوجد لديهم، سيكونون أضعف وأشد فقراً، وأقل تعليماً ومرضاً، وهذا ما يجعل من الواجب توجيه الذكاء الاصطناعي بصورة مفتوحة للجميع، حيث يتم تسخير القوة الهائلة وإمكانات الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية، وتعزيز المساواة والحرية والعدالة.

وقال بينيوف إن «الذكاء الاصطناعي ليس هو الفجوة الوحيدة التي تتصارع معها صناعة التقنية، فالشركات تواجه أزمة ثقة في أعقاب خروقات الخصوصية، وإساءة التعامل في البيانات»، مضيفاً أنه يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن تكريس أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في حقوق الإنسان، هو أفضل طريقة لجعل الذكاء الاصطناعي قوة إيجابية في مستقبلنا المشترك.

الالتزام الأخلاقي

وفي 7 يناير الماضي، أصدر مارك بينيوف قراراً بتعيين باولا جولدمان كمدير تنفيذي للشؤون الأخلاقية والإنسانية في «سيلز فورس». وتعد جولدمان خبيرة في القضايا الأخلاقية والإنسانية بصناعة تقنية المعلومات، وسبق لها العمل في مؤسسات وكيانات مدنية وغير ربحية مهتمة بهذه القضية، وكانت عضواً في مجلس «سيلز فورس» الاستشاري الخاص بالاستخدام الأخلاقي، الذي يضم خبراء الصناعة والأكاديميين، ويركز هذا المجلس على كيفية بناء التكنولوجيا بطريقة أخلاقية.

وفي أول بيان لها بعد تسلمها منصبها، قالت باولا جولدمان إنها ستعمل على تطوير استراتيجيات، لاستخدام التكنولوجيا بطريقة أخلاقية وإنسانية في «سيلز فورس»، وعبرت عن إعجابها بالشركة بوصفها رائدة في الأعمال الأخلاقية. وقالت: «نحن في نقطة انعطاف مهمة كصناعة، وأنا متحمسة للعمل مع هذا الفريق لرسم مسار للأمام، لدمج القانون والسياسة والأخلاق لتطوير المنتجات بطريقة أخلاقية، فنحن نفهم أننا نتحمل مسؤولية أكبر تجاه المجتمع، ونطمح إلى خلق التكنولوجيا التي لا تقود نجاح عملائنا فحسب، بل تدفع أيضاً إلى تغيير اجتماعي إيجابي، وتفيد البشرية».

حقوق رقمية

يذكر أن جهود بينيوف تندرج ضمن حركة عالمية أوسع داخل صناعة التقنية، تتبنى ما يعرف بحقوق الإنسان الرقمية، التي تعود جذورها إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، حينما جرى الحديث عن أن قدرة الإنسان على إجراء، مجرد إجراء، المكالمات الهاتفية هي حق من حقوق الإنسان، وصدر في ذلك العديد من الوثائق والدراسات. لكن القضية بدأت تتبلور وتكتسب مزيداً من النضج والوضوح والأهمية مع موجة الانتشار السريعة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بصورها المختلفة، في شتى مناحي الحياة، وزيادة الدور الذي تلعبه هذه التكنولوجيا كأداة من أدوات التنمية الشاملة والترفيه والخدمات.

وشكل دور الانعقاد الأول للقمة العالمية للمعلومات، في 2003، منعطفاً مهماً في هذه القضية وتطورها، وجاء الإعلان العالمي لمجتمع المعلومات، الصادر عن القمة، مثالاً بارزاً في هذا الصدد، حيث كانت فكرة حقوق الإنسان الرقمية، وأبرزها الحق في الوصول والحصول على المعلومات، هي روح الإعلان، فالبند الأول في الإعلان والذي تحدث عن الرؤية المشتركة عالمياً لمجتمع المعلومات، نص على أن «مجتمع المعلومات يرتكز على الناس، ويستطيع كل فرد فيه أن يخلق المعلومات والمعارف، وأن ينفذ إليها، وأن يستخدمها ويتقاسمها»، والمعنى هنا أن ركيزة مجتمع المعلومات أن يكون الفرد قادراً على أن يولد المعلومات ويستخدمها ويتقاسمها.

مؤسس «سيلز فورس»

يعد مارك بينيوف مؤسس شركة «سيلز فورس»، وهي شركة برمجيات أميركية تعمل وفق مفهوم الحوسبة السحابية، وكان من رواد هذا المجال، حيث بدأه مبكراً عند تأسيسه للشركة في عام 1999، حينما لم يسمع أحد عن مفهوم «الحوسبة السحابية»، وقدم شركته كنموذج رائد لتقديم البرمجيات كخدمة. وحالياً، يأتي الجزء الأكبر من عائداتها من منتجها الرئيس المتخصص في إدارة علاقات العملاء، الذي يقدم كخدمة عبر الإنترنت، فضلاً عن مجموعة متكاملة من تطبيقات المؤسسات التي تركز على خدمة العملاء، والتشغيل الآلي للتسويق، والتحليلات وتطوير التطبيقات. وقبل تأسيسه الشركة، كان بينيوف يعمل كمدير تنفيذي في شركة «أوراكل»، وكان يعد الساعد الأيمن لمؤسس «أوراكل»، لاري أليسون، واليوم تقدر القيمة السوقية لـ«سيلز فورس» بالمليارات.

طباعة