أثار عاصفة من الجدل حول طبيعة العمل داخل وادي التقنية الأميركي

«أبوالواقع الافتراضي»: «وادي السيليكون» يفتقد التنوّع المعرفي والإدراكي

جارون لانير أكد أن الثقافة السائدة في «وادي السيليكون» تغيرت بصورة كبيرة ولم تصبح كالثقافة السائدة في الماضي التي كانت وراء ما تحقق خلال العقود الماضية. من المصدر

شهدت الأيام القليلة الماضية، عاصفة من الجدل، حول طبيعة العمل داخل وادي التقنية الأميركي «وادي السيليكون»، وتأثير ذلك في مستقبل صناعة التقنية وقدرتها على الإبداع، وذلك بعد نشر حوار مع الملقّب بـ«أبوالواقع الافتراضي في العالم»، جارون لانير، الذي قال صراحة إن «الثقافة السائدة في (وادي السيليكون) تغيرت بصورة كبيرة، ولم تصبح كالثقافة السائدة في الماضي، التي كانت وراء ما تحقق خلال العقود الماضية، وأصبح (وادي السيليكون) غنياً بالتنوع العرقي، لكنه يفتقد التنوع المعرفي والإدراكي». ونظراً إلى توالي ردود الأفعال على هذه التصريحات، من قبل محللين ومسؤولين كبار في شركات التقنية، راجعت «الإمارات اليوم» نص الحوار، الذي أطلق فيه لانير هذه التصريحات، والذي أجراه معه اثنان من محرري موقع «بيزنس إنسايدر» businessinsider.com.

تقنية المعلومات

إبداعات جارون لانير تجسدت في نظارات «الواقع الافتراضي» و«المعزز» والإكسسوارات والملحقات المرتبطة بها.

وقبل تقديم أهم ما جاء بهذا الحوار، تجدر الإشارة إلى أن لانير يعد من أهم رواد تقنية المعلومات عالميا خلال العقود الأربعة الماضية، ويعرف على نطاق واسع بأنه «أبوتقنية الواقع الافتراضي» أو مبدعها الرئيس، وهو من المؤثرين في تشكيل عالم التقنية القائم حالياً. كما أسهم بصورة أساسية في الإبداع والتوصل إلى ما يعرف بـ«التقنيات الغامرة»، التي يقصد بها التقنية التي تغمر عيون وآذان وإدراك الشخص، بتيار متدفق من المحتوي البصري والصوتي المملوء بالبيانات والإبهار بصورة افتراضية تحاكي، وربما تتفوق، على ما يعايشه من محتوى بصري وصوتي فعلياً.

وتجسدت إبداعاته في نظارات «الواقع الافتراضي»، و«المعزز» والعديد من الإكسسوارات والملحقات المرتبطة بها. وبالإضافة إلى عمله مبرمجاً ومخترعاً، يعد لانير، بمثابة مؤلف غزير الإنتاج، وناقد ومحلل بارز في مجال التقنية. وجاء الحوار معه بمناسبة صدور كتابه الجديد «فجر كل شيء جديد»، الذي تناول فيه نشأته في مدينة نيو مكسيكو، وسنواته الأولى مع «الواقع الافتراضي» في «وادي السيليكون» في عام 1980، وتجاربه في العمل مع العلماء البارزين والنقاد والمطورين.

خيبة الأمل

وبدأ الحوار بالحديث عن الاختلافات التي شهدها عام 2017، بين التوقعات التي كانت موضوعة حول تقنية «الواقع الافتراضي» ومعدلات انتشارها، وبين ما حدث فعلياً على أرض الواقع، والذي شكل نوعاً من خيبة الأمل والتشكيك.

وقال لانير إنه «يجب الفصل بين الجانب الإبداعي التصنيعي في (الواقع الافتراضي)، والجانب الاستهلاكي، فالإبداع شيء والتطبيق شيء آخر». وضرب مثالاً على ذلك بتقنية «المحاكاة الجراحية» في مجال الطب، فتاريخها يعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، ومع ذلك لاتزال تتطور وتنتشر حتى اليوم بمعدلات متفاوتة.

وحول ما يجري في السوق فعلياً في مجال نظارات الرأس العاملة بتقنية «الواقع الافتراضي»، وكيف ستتطور هذه السوق، خصوصاً بعد النجاح الذي حققته نظارات «الواقع الافتراضي» المستخدمة مع ألعاب «سوني» الإلكترونية، قال لانير: «من جانب الإبداع، نحن نقوم بدورنا على ما يرام، وهذا هو ما يبدو كأنه سوق جديدة، وأنا لا أعرف ما يتوقعه الناس، وتقديري أننا لانزال في فترة ما بعد ستيف جوبز (يقصد مؤسس ورئيس شركة أبل الراحل)، ونحتاج إلى من يقدم شيئاً كبيراً وضخماً على غرار (آي فون)، وهذه الأشياء لا تحدث كثيراً».

«وادي السيليكون»

وحول تصوره للكيفية التي تتغير بها الثقافة التقنية في «وادي السيليكون»، قال لانير إن «عالم التقنية لديه مثل هذه القصص حول الأموال السريعة والقوة والتأثير السريع، والأوضاع السريعة، وأعتقد أن ذلك أصاب الناس بالجنون، وأيضاً جعلها تصاب بالضحالة، وهذا يجعلني حزيناً بعض الشيء، فالشيء المدهش والمهم في الأيام الماضية هو أنك يمكن أن يكون لديك بعض الناس في غرفة بوادي السيليكون في وقت مبكر، وواحد منهم ربما يصبح مليارديراً، وبعضهم يمكن أن يعيش فقيراً في سيارة، والأمر كله متعلق بالقدر الذي يمكن أن تفعله من الأشياء، وأعتقد أن هذه كانت ثقافة صحية ومثيرة للاهتمام حقاً، والآن ذهبت هذه الثقافة واختفت وضاعت، فالناس في (وادي السيليكون) أصبحت لها تسعيرة ويتم التعامل معها كسلعة، وأنا لا ألوم أحداً، لكن أقول إن هناك المزيد من التنوع العرقي والخلفية ربما، ولكن يوجد تنوع أقل في النمط المعرفي والإدراكي».

تأثير سلبي

وحول ما إذا كان هذا النقص في التنوع المعرفي بوادي السيليكون سيؤثر في التقنيات الجاري تطويرها وإبداعها هناك، أكد لانير أن «ذلك يحدث أحياناً، فهناك الكثير من الأدوات التي تميل إلى أن تصبح أكثر استخداماً من قبل المهندسين الذين صنعوها، لكن هذا لا يكون صحيحاً دائماً، وقد يرى البعض أن مثل هذه الثقافة في إبداع التقنية تؤدي بنا إلى مجتمعات أكثر عزلة، كما تجعل البعض يعتقدون أنهم أكثر ذكاءً من غيرهم، وبرأيي فإن هذه نقطة مثيرة للجدل وقائمة منذ عقود عدة».

وتابع لانير: «نحن نقوم بالفعل بعمل بعض الأشياء والإبداعات التي تزيد من عزلة الناس وإقصائهم، وطريقة التفكير والثقافة القائمة تحمل في بعض جوانبها أذى للجميع، حتى الذين يبدو أنهم من المستفيدين منها، فهم يجبرون على أن يكونوا في المكان الذي لا يمكنهم فيه الوصول إلى إمكاناتهم الكاملة».

وقال: «إنني مازلت أعتقد أن الحاسبات ليست جديرة بتمثيل الناس، وهو رأي كتبته في كتابي الأول (أنت لست أداة)، ولايزال يزعجني أننا، كتقنيين، لا نعالج الناس جيداً بما فيه الكفاية مع الأنظمة الرقمية، ومازلت على قناعة بأن بعض المبرمجين يستخدمون تقنيات الإدمان بوعي لإبقاء الناس مدمنين على منتجاتهم، والكثير منهم يعترف بذلك».

الانتقال إلى «مايكروسوفت»

وحول عمله في شركة «مايكروسوفت» لما يقرب من 10 سنوات، قال: «لم يكن في حساباتي أن أعمل مع (مايكروسوفت) مطلقاً، فقد كنت ناقداً لها بشدة خلال التسعينات، وكانت بالنسبة لي مثل (كيس الملاكمة) الذي يوجه له الملاكم ضرباته أثناء التدريب، لكن انتهى بي الأمر للعمل مع (مايكروسوفت)، بعد أن كنت أعمل في (غوغل)، حيث قال لي المؤسس المشارك لـ(غوغل)، سيرجي برين: (نحن لا نريد أن يكتب الناس كل هذه المقالات المثيرة للجدل)، لأنني كنت أكتب النقد التقني لفترة طويلة، وكنت قلقاً من أن تحولنا التقنية إلى كسالى بمرور الوقت».

وقال لانير: «كنت أتحدث إلى بيل غيتس، فقال لي (لا يمكنك أن تقول شيئاً آخر سيئاً عنا أكثر مما قلته، نحن لا نهتم، لماذا لا تأتي وتلقي نظرة على مختبراتنا، إنها رائعة حقاً)، واعتقدت أن هذا سيكون شيئاً مهماً، وذهبت وكنت معجباً، ووجدت الأمر عظيماً، والتحقت بالشركة».

تويتر