7000 مطور شاركوا في إنجاز تطبيق واحد

تنامي الاتجاه للاعتماد على خدمات التعهيد الجماعي

صورة

من الشائع القول إن تعاون عقلين معاً ينتهي إلى نتيجة أفضل من عقل واحد، لكن ماذا عن اشتراك آلاف العقول في عملٍ واحد؟ من الناحية النظرية وبتطبيق الفكرة السابقة، ستكون النتيجة أفضل جودة، وأقل كلفة، كما تستغرق وقتاً أقل، فقد يعني مشاركة المشكلة مع جهة أخرى اقتسام المسؤولية والوصول لحل أسرع.

وساعد الإنترنت وخدمات الحوسبة السحابية على التوصل لهذا النموذج في العمل، مثل موقع وخدمة «أبيريو» للتعهيد الجماعي، وتتيح للشركات والمؤسسات الاستعانة بجهود مئات المصممين والمطورين لإنجاز عملها في بيئة تجمع بين المنافسة التعاون. ويُشير مفهوم التعهيد الجماعي إلى الاستعانة بمجموعات كبيرة وغير معروفة من الأشخاص، لإنجاز خدمة أو عمل واحد، سواء بمقابل مادي أو بشكل تطوعي، كما تقترب منه فكرة التمويل الجماعي للمشروعات الخيرية والشركات الناشئة. ومن بين التجارب في هذا الشأن لجوء وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» إلى خدمة «أبيريو» لمساعدتها على تصميم تطبيق محمول لرواد الفضاء العاملين في محطة الفضاء الدولية «آي إس إس»، لمساعدتهم على تتبع وتسجيل طعامهم، وهو أمر حيوي للمساعدة على مكافحة فقدان رواد الفضاء للعضلات وكثافة العظام، بسبب عملهم لفترات طويلة في ظروف الجاذبية الصغرى.

وحددت «ناسا» الهدف بتطوير تطبيق سهل الاستخدام يمكنه تلقي الأوامر الصوتية، وإدخال البيانات بنقرة واحدة، للتخلص من الاستبيانات عن الطعام، التي تعين على رواد الفضاء الإجابة عنها كل أسبوع، واتسمت بتوفير بيانات غير موثوقة، وغير مفصلة لدرجة كافية. وقسمت «ناسا» مع «توبكودر»، فرع لخدمة «أبيريو» ويضم نحو نصف مليون مطور ومصمم، المشروع إلى مراحل مختلفة ومُحددة زمنياً بدءاً من صياغة المفاهيم، وإبداع الفكرة، وتصميم الشاشة، والبنية، والتجميع، ثم اكتشاف الثغرات، ودُعي المطورون للتنافس على الجوائز الكبرى في كل مرحلة.

وكانت النتيجة إنجاز تطبيق «فيت» أو «متتبع تناول الطعام في (ناسا آي إس إس)»، الذي اعتبره المؤسس المشارك في «أبيريو»، ناريندر سينج، التطبيق الذي يقدم خدمة في أقصى مكان في العالم. وأسهم في إنجازه نحو 7000 مطور، وحصل الفائزون في كل مرحلة على ما يصل إلى 1080 دولاراً أميركياً، إلى جانب مكافأة موثوقية من بضع مئات من الدولارات على القمة، ويجري حالياً اختبار النموذج الأولي من التطبيق لحواسيب «آي باد» اللوحية في «محطة الفضاء الدولية». ويستند نموذج الأعمال في «أبيريو» على مزيج متناقض من المنافسة والتعاون، فمن ناحية يشترك العملاء في الخدمة لطرح مشروعاتهم للمناقصة في سوق عالي التقنية، ومن ناحية أخرى يتنافس المطورون لتقديم أفكارهم وعملهم، ومع استفادتهم من بعضهم بعضاً، يحكمون على إنجاز بعضهم البعض ويفوز العمل الأفضل بالمال.

واعترف سينج بالمخاطرة التي يتضمنها العمل، فمن الممكن ألا يحصل المطورون على المال، لكن في مقابل ذلك قد يتلقوا عروضاً بأعمال جديدة بفضل جهودهم السابقة. ومن بين عملاء «أبيريو»، الذي حصل العام الماضي على 60 مليون دولار في تمويل استثماري، مؤسسة «كومكاست» للإعلام والاتصالات، وشركة «أوتيس» للمصاعد، و«سيسنا» لصناعة الطائرات الخفيفة.

وبدأ استكشاف ظاهرة قدرة المجموعات الكبيرة والمقسمة على التوصل لحلول مشكلات أفضل من الأفراد الذين يعملون على علاج المشكلات ذاتها، مع إصدار الأمريكي جيمس سورويكي لكتابه «حكمة الحشود: لماذا الكثرة أذكى من القلة؟» في عام 2004، وتطرق إلى حكمة الأكثرية ودورها في الأعمال والاقتصاد والمجتمع، وشروط نجاح هذا الدور.

وجاء ظهور النطاق العريض ذي السرعة العالية في الاتصال بالإنترنت، وخدمات الحوسبة السحابية لتُسهل من مسألة إدارة الحشود والتنسيق بينها، وبدأت وكالات التعهيد الجماعي بالاستفادة من هذا الاتجاه المتنامي.

ومع ذلك توجد شكوك حول المفهوم وتطبيقه، ويرى المسؤول عن الرؤية في شركة «مايكروسوفت» في المملكة المتحدة، ديف كوبلين، أنه بالنسبة للشركات ستواجه أسئلة منها كيفية التأكد من أن طرح المشروعات للمناقصة لا يعني تخليها عن أغلى ما لديها، أو جواهر التاج، بحسب وصفه.

ثم تأتي المخاوف حول اتفاقات مستوى الخدمة ومراقبة الجودة، وأخيراً، ما أشار إليه بالإحساس الامبراطوري في مجتمع تكنولوجيا المعلومات، ورغبة المسؤولين فيه في الاحتفاظ بسيطرتهم على مختلف جوانب عملياتهم التجارية، ومع ذلك، يعتقد كوبلين أنه يمكن تجاوز هذه الاعتراضات، إذا ما كانت ثقافة الشركات منفتحة وتقدمية بدرجة كافية. ولم يقتصر تأثير الإنترنت على فتح المجال أمام الأسواق على الإنترنت التي يُروج فيها المحترفون لخدماتهم، لكن هذه المساحات تتحول، بفضل الإقبال المتزايد على التعهيد الجماعي، باتجاه أكثر تطوراً لتكون مقدمة للخدمات في حد ذاتها.

على سبيل المثال، موقع «سبيس ووركس» وهو شبكة اجتماعية تضم 4.5 ملايين من المحترفين في تكنولوجيا المعلومات من مختلف أنحاء العالم، ويوفر تطبيقات وأدوات مجانية تُعينهم على إنجاز وظائفهم، ومساحة لمشاركة تجاربهم وخبراتهم.

كما تتيح للشركات خدمات مثل «سبيس بانلز»، و«صُنع في سبيس ووركس»، وفيها يمكن للشركات الاعتماد على التعهيد الجماعي لتطوير منتجها بشكل كامل، بدايةً من المفهوم ووصولاً إلى التنفيذ النهائي. ووصف المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للعمليات في «سبيس ووركس»، جاي هالبرغ، الموقع بأكبر قاعدة بيانات حية وتتنفس في الكوكب، وأضاف: «الآن يساعد مجتمعنا من المحترفين في تكنولوجيا المعلومات الشركات على تصميم واختيار منتجاتها، أصبحنا وجهتهم الأولى عندما يرغبون في الوصول إلى السوق».

وفي نهج آخر، تتخصص خدمة «كرود فلور» في المهام المُصغرة، ويُقسم مشروعات البيانات الكبيرة والمعقدة إلى وحدات عمل يمكن التحكم فيها، وإسنادها إلى قاعدتها من العاملين البالغ عددهم خمسة ملايين شخص. وتتيح منصة يمكن للشركات القيام بذلك مباشرةً أو من خلال خدمة تديرها، وتتضمن قائمة عملائها أسماء كبيرة مثل «إي باي»، و«أوتودسك»، و«يونيليفر».

ويعتقد ديف كوبلين من «مايكروسوفت» بوجود اتجاه واضح نحو المهام المُصغرة، ونشأة سوق متنامية لإداراتها وضمان الجودة، وقال: «إذا كانت معظم مهام البرمجة أو الإدخال أساسية إلى حدٍ ما، يمكن تجزئة المهمة إلى الكثير من الحزم الأصغر، ووضعها على موقع للتعهيد الجماعي».

ويتفق معه في الرأي الشريك الرئيس في شركة «ديلويت تكنولوجي» للاستشارات، روب بريانت، مع بعض الحذر، ويرى أن نقطة الضعف المميتة في هذا النهج بالنسبة للشركات، أو ما عبر عنه بكعب أخيل، تتمثل في صعوبة تعرفها على جودة العمل الذي تحصل عليه، وهو ما دفع بعض المنصات لتضمين مراقبة الجودة في خدماتها. وبينما لم تظهر بعد شركات معتمدة بالكامل على المهام المقسمة والتعهيد الجماعي وخدمات الحوسبة السحابية، يُثبت عدد كبير من المتحمسين للتقنية والمطورين أنهم خيار جذاب لعدد متزايد من الشركات.

 

طباعة