باريس تحتاج إلى مليارات اليورو لإعادة الإعمار.. وتخصيص هذه الأموال أشبه بـ «معادلة مستحيلة»
فرنسا أمام تحدي توفير الموارد الكافية لمواجهة موجات الحرارة الشديدة
بعد صيف شهد موجات حرارة شديدة ناجمة عن تغير المناخ، تواجه فرنسا تحدي توفير مليارات اليورو لمساعدة البلاد على إعادة الإعمار، وضمان استعدادها بصورة أفضل عندما ترتفع درجات الحرارة مجدداً وتحطم الأرقام القياسية، غير أن توفير هذه الأموال يمثل تحدياً كبيراً.
وتتحمل فرنسا ديوناً عامة تتجاوز قيمتها 3.5 تريليونات يورو، أصبح تمويلها مكلفاً بصورة متزايدة، كما تتجاوز بكثير الحد الأقصى المسموح به بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي.
والتزمت باريس بالفعل بزيادة الإنفاق الدفاعي بمليارات اليورو خلال السنوات القليلة المقبلة، واستبعدت إجراء زيادات ضريبية كبيرة، وتعهدت بخفض عجز ميزانيتها، الذي بلغ 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي، إلى 3% بحلول عام 2029، امتثالاً لقواعد الاتحاد الأوروبي.
وتبدو صياغة ميزانية للعام المقبل قادرة على تحقيق هذه الأهداف، مع تخصيص موارد كافية في الوقت نفسه لإعداد فرنسا لصيف آخر من الحرارة الشديدة التي تنفق فيها الماشية، وتتسبب في الجفاف، وتغذي حرائق الغابات التي تدفع آلاف الأشخاص إلى النزوح من منازلهم، أشبه بمحاولة حل معادلة مستحيلة، غير أن الحصول على موافقة برلمان منقسم، في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، سيجعل هذه المهمة أكثر صعوبة.
وقالت النائبة البرلمانية الوسطية والمؤيدة للحكومة عن منطقة «باسين داركاشون» في جنوب غرب البلاد، والتي تضررت من الحرائق، صوفي بانوناكل: «نحتاج إلى مليارات. فلنكن واقعيين في هذا الشأن». وأضافت: «علينا أن ننظر بشكل عاجل في مسألة التكيف، فنحن لا نحرز أي تقدم على الإطلاق في هذا الصدد».
وخلال زيارته، الإثنين، بلدة «لابورج» في جنوب غرب البلاد، حيث شاهد مئات الأشخاص منازلهم تحترق الشهر الماضي، عرض رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، سلسلة من الإجراءات المصممة لمساعدة السكان على إعادة بناء منازلهم، والحفاظ على استمرارية الأعمال التجارية الأكثر تضرراً من الحرائق.
وشملت هذه التدابير تقديم مساعدات مباشرة بقيمة إجمالية تبلغ 12 مليون يورو للإدارتين المحليتين الأكثر تضرراً من الحرائق، وهما «جيروند ولاند»، إضافة إلى إعفاءات من ضرائب الممتلكات، واشتراكات الضمان الاجتماعي في تلك المناطق، وتخصيص مزيد من التمويل لإعادة زراعة الغابات. وفي وقت لاحق من مساء اليوم نفسه، أعلن الرئيس، إيمانويل ماكرون، أن هذه المقترحات ستنطبق أيضاً على منطقة «فار» الجنوبية.
وأضاف ليكورنو، أن «القيمة الإجمالية لهذه الإجراءات ستبلغ 100 مليون يورو، على الرغم من عدم وضوح ما إذا كان هذا الرقم يشمل تكاليف الإجراءات في المدن التي زارها فقط، أم في منطقة (فار) أيضاً».
وقالت وزيرة الانتقال البيئي، مونيك باربوت، الأسبوع الماضي، إن «الكلفة الإجمالية الفورية لموجة الحرارة التي ضربت البلاد هذا الصيف، بما في ذلك الخسائر في المنازل والدخل، قد تراوح بين 10 مليارات و15 مليار يورو، أي ما يعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي»، محذرة من أن هذه الأرقام تمثل تقديراً أولياً.
وعندما سأل الصحافيون، وزير الاقتصاد، رولان ليسكور، عن هذه التقديرات، قال لاحقاً إنه «من المبكر جداً تحديد حجم الأضرار». ومهما يكن المبلغ الإجمالي النهائي، فلا شك في أن سداده سيكون صعباً، نظراً إلى الحاجة إلى إعادة ترتيب أوضاع المالية العامة في البلاد.
وفي تقرير أعدته وزارة المالية الفرنسية، قال كبار الاقتصاديين، الشهر الماضي، إن على فرنسا خفض الإنفاق وزيادة الضرائب بمقدار 125 مليار يورو بحلول عام 2032، لمنع عجز ميزانيتها من الوصول إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد.
ويقول منتقدو الحكومة إنها فشلت في تقديم تفاصيل محددة حول كيفية تمويل الاحتياجات الفورية والمستقبلية للميزانية اللازمة للتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ما يثير إحباط المشرعين.
وقال المسؤول عن مراقبة الميزانية في مجلس الشيوخ، جان فرانسوا هوسون: «نحتاج إلى الاستجابة للأحداث المرتبطة بالمناخ، لكننا نحتاج أولاً إلى مراجعة استراتيجية شاملة بشأن الموارد المخصصة بالفعل، والوعود التي قُطعت فيما يتعلق بمكافحة حرائق الغابات».
وأضاف هوسون: «نحن مصرون على إصدار إعلانات لا تتبعها نتائج، وفي الوقت نفسه تتصاعد مستويات الديون بشكل متسارع».
وقال إنه يعتزم استدعاء المسؤولين الحكوميين لتقديم أرقام أكثر وضوحاً خلال الأيام المقبلة، مضيفاً: «لا يمكنهم معاملة البرلمان بهذه الطريقة، لاسيما فيما يتعلق بمسائل الميزانية».
وتتجاوز هذه الانتقادات الحدود الحزبية، إذ طلب رئيس لجنة المالية في الجمعية الوطنية الفرنسية، المنتمي إلى اليسار، إريك كوكيريل، من الحكومة أن تقدم على وجه السرعة نسخة «منقحة» من ميزانية العام الحالي إلى البرلمان، لتلبية الحاجة إلى مزيد من الأموال.
ومع استنزاف خزائن الدولة إلى هذا الحد، طرحت مونيك باربوت، في مقابلة مع صحيفة محلية، فكرة الاستفادة من المدخرات الخاصة للمساعدة في تغطية التكاليف، إذ يحتل الفرنسيون مرتبة مرتفعة نسبياً بين دول الاتحاد الأوروبي من حيث المدخرات، لكنهم، مثل بقية الأوروبيين، لا يستثمرون كثيراً في الأسهم والسندات.
وتُعد بانوناكل، النائبة الوسطية، واحدة من 50 نائباً يضغطون من أجل طرح مقترح لاستخدام 50 مليار يورو من المدخرات الخاصة لتمويل سياسات التكيف المكلفة، بما في ذلك جعل المباني أكثر قدرة على تحمل الحرارة الشديدة، وتركيب مزيد من أجهزة تكييف الهواء في المرافق العامة، وتعزيز وسائل الحماية من الفيضانات.
عن «بوليتيكو»
. تتحمل فرنسا ديوناً عامة تتجاوز قيمتها 3.5 تريليونات يورو، أصبح تمويلها مكلفاً بصورة متزايدة، كما تتجاوز بكثير الحد الأقصى المسموح به بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي.
. الحصول على موافقة برلمان منقسم، على صياغة ميزانية للعام المقبل، في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية، مهمة أكثر صعوبة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news