نشر القوات العسكرية يؤدي إلى زيادة غير مرغوبة في العنف

منْح الجيش دوراً في الأمن الداخلي يثير مخاوف جدية بأميركا اللاتينية

توسيع دور القوات المسلحة في الأمن العام قد يزيد انتهاكات حقوق الإنسان. رويترز

أصبح تعزيز قوات الأمن العام من أجل مكافحة الجريمة المنظمة اتجاهاً مستمراً في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، رغم أن نتائجه على المدى الطويل تثير مخاوف جدية، وفي مواجهة الارتفاع المقلق في حالات الابتزاز والاتجار بالمخدرات والقتل المأجور، قامت حكومات عدة في المنطقة بنشر القوات المسلحة للقيام بدوريات في الشوارع، وإدارة السجون، وإبقاء حالات الطوارئ سارية لفترات طويلة.

إلا أن تجربة دول، مثل الإكوادور والمكسيك والسلفادور، تُظهر أن نشر القوات العسكرية غالباً ما يؤدي إلى زيادة غير مرغوبة في العنف، وتركيز السلطة السياسية في أيدي الجيش، وظهور مزاعم متكررة بانتهاكات حقوق الإنسان، وفي المقابل، تُظهر حالات مثل تشيلي والأرجنتين مقاومة مؤسسية أكبر لإشراك الجيش في مهام حفظ الأمن، بينما تواصل كوستاريكا إثبات أن مكافحة الجريمة لا تتطلب جيشاً، بل تتطلب موارد مالية ومؤسسات مدنية أقوى.

حالة بيرو

ويعد منح الجيش دوراً رائداً في الحفاظ على الأمن الداخلي نهجاً قديماً في بيرو، يميل إلى الظهور مجدداً كلما تولت إدارة جديدة مقاليد الحكم، وقد أثار هذا النهج مخاوف لدى قطاعات من المجتمع المدني، وتقول الأمينة التنفيذية للمرصد الوطني لحقوق الإنسان، تانيا باريونا، إنه رغم أن وجود الجيش قد يعزز الشعور بالأمن، فإنه لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض دائم في جرائم مثل الابتزاز أو الاغتيالات المأجورة، وتضيف: «الجيش ليس مدرباً على أداء مهام الشرطة، فمهمته الرئيسة هي مواجهة التهديدات الخارجية أو النزاعات المسلحة».

وتؤكد باريونا أيضاً أن توسيع دور القوات المسلحة في الأمن العام قد يزيد خطر الاستخدام غير المتناسب للقوة، وارتكاب انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان، وتوضح قائلة: «لدى بيرو سوابق تاريخية من الانتهاكات خلال الصراع الداخلي، لذا فإن هناك حساسية خاصة تجاه توسيع دور الجيش في الشؤون الداخلية، وتتم مكافحة الجريمة المنظمة من خلال الاستخبارات، والتحقيقات المالية، والمدعين العامين المتخصصين، ومراقبة السجون، وقوات شرطة أقوى».

إلى ذلك، خلصت لجنة الحقيقة والمصالحة إلى أن الجيش نفذ خلال الحرب الأهلية التي اجتاحت بيرو بين الثمانينات وأوائل العقد الأول من القرن الـ21 «قمعاً عشوائياً ضد السكان الذين اعتُبروا مشتبهاً بهم» في قضايا الإرهاب، وتشير نتائج اللجنة إلى أن ما يقدر بنحو 69 ألفاً و280 شخصاً لقوا حتفهم خلال الصراع، نحو 30% منهم على أيدي عناصر الأمن.

وتتشابك ذكريات تلك الأيام مع مجريات أحدث عهد في البيرو، ففي أواخر عام 2022 وأوائل عام 2023، نشرت حكومة الرئيسة دينا بولوارتي مرة أخرى، القوات المسلحة للسيطرة على الاحتجاجات التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق بيدرو كاستيلو، ولقي نحو 50 متظاهراً مصرعهم جراء استخدام الذخيرة القاتلة.

ولن يقتصر الدور البارز الذي تتصوره الرئيسة الحالية كيكو فوجيموري للجيش على الشوارع، فقد أعلنت حكومة بيرو أنها ستسعى للحصول على صلاحيات تشريعية من الكونغرس لتمرير حزمة من الإصلاحات، بما في ذلك إصلاح يسمح للقوات المسلحة بتولي إدارة وتنظيم سجون البلاد.

الوضع في الإكوادور

وفي الإكوادور، بعد أقل من شهرين على توليه منصبه في التاسع من يناير 2024، أعلن الرئيس دانييل نوبوا، للمرة الأولى في تاريخ البلاد، وجود نزاع مسلح داخلي غير دولي، وأتاح هذا القرار النشر الفوري للقوات في الشوارع ونقل مسؤولية الأمن العام والسيطرة على السجون إلى القوات المسلحة.

وفي ذلك الوقت، كانت الإكوادور تشهد واحدة من أسوأ موجات العنف في تاريخها الحديث، وكان التصعيد قد بدأ بالاستيلاء المتزامن على سبعة سجون من قبل عصابات إجرامية، وتفجير سيارات مفخخة في مدن عدة، وبلغ ذروته عندما اقتحم مسلحون مقر قناة «تي سي» التلفزيونية، ما أدى إلى قطع بث نشرة إخبارية مباشرة واحتجاز أعضاء غرفة الأخبار، رهائن لفترة وجيزة.

وأدت استراتيجية «العسكرة» إلى إبطاء جزئي في ارتفاع معدلات جرائم القتل خلال الأشهر الأولى، ومع ذلك فقد رافقتها منذ البداية مزاعم بارتكاب تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وفي المراحل الأولى من العملية، أظهرت مقاطع فيديو نشرها الجنود أنفسهم على وسائل التواصل الاجتماعي تعرض المعتقلين للعقاب والإذلال، ومع مرور الأيام، ازدادت خطورة الاتهامات لتشمل في نهاية المطاف حالات وفاة أثناء الاحتجاز لدى الجيش، مثل حالة الشاب كارلوس خافيير فيغا.

وفي العام نفسه، فتحت النيابة العامة تحقيقات في قضية اختفاء قسري مزعوم لـ43 شخصاً، يُزعم أن أفراداً من الجيش الإكوادوري هم المسؤولون عنه، ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، سارت التحقيقات ببطء بسبب عدم تعاون القوات المسلحة.

عن «إل باييس»


الحرب على عصابات المخدرات في المكسيك

في المكسيك، بعد فوزه بفارق ضئيل على أندريس مانويل لوبيز أوبرادور في الانتخابات الرئاسية، يوم 11 ديسمبر 2006، قام الرئيس فيليبي كالديرون، مرتدياً الزي العسكري الأخضر الزيتوني، بنشر 6500 جندي في إطار «عملية الانتشار المشترك في ميتشواكان»، وأعلن الحرب على عصابات المخدرات.

وقد بدأ هذا الاتجاه في عهد حزب العمل الوطني المحافظ بقيادة كالديرون، واستمر في عهد إنريكي بينيا نييتو، من الحزب الثوري المؤسسي، لكن الفترة التي اكتسب فيها الجيش أكبر قدر من النفوذ، كانت في عهد الحكومة اليسارية، التي قادها لوبيز أوبرادور وحزبه «مورينا»، والتي نقلت إلى القوات المسلحة موارد ومسؤوليات كانت تقع تقليدياً في أيدي المدنيين، وذلك بدرجة أكبر من أي إدارة مكسيكية سابقة.

حكومات عدة نشرت الجيش لمواجهة الارتفاع المقلق في حالات الابتزاز والاتجار بالمخدرات والقتل المأجور.

تويتر