باريس اشترطت على بان كي مون تعيين فرنسي في منصب رفيع لدعم ترشحه

الدول الكبرى تعرقل اختيار الأمين العام للأمم المتحدة بشفافية

صورة

في محاولة لإلقاء مزيد من الضوء على آلية اختيار الأمين العام للأمم المتحدة، أجرت حملة «1 يمثل 8 مليارات»، وهي تحالف من منظمات المجتمع المدني يسعى إلى تعزيز الشفافية في اختيار الأمين العام المقبل، مقابلات مع أكثر من 40 دبلوماسياً سابقاً، ومرشحاً في دورات انتخابية سابقة، ومسؤولين كبار سابقين.

وخلص التقرير إلى أن جميع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وفرنسا وروسيا، حاولوا التأثير في استقلالية عمليات الاختيار السابقة، بما في ذلك عملية اختيار الأمين العام الحالي، أنطونيو غوتيريش.

ويقترب السباق لاختيار خليفة غوتيريش الآن من مرحلته الحاسمة. ومع اقتراب موعد إجراء اقتراع سري في مجلس الأمن، يأمل معدّو التقرير أن يسهم الكشف عن هذه «الصفقات» في دعم الجهود الرامية إلى جعل الأمم المتحدة أكثر عدلاً وفاعلية، وأن تساعد الشفافية المرشحين على مقاومة الضغوط التي تفترض ضرورة تبادل المصالح مع الدول الكبرى لضمان تعيينهم.

وفي سيرته الذاتية، كتب الأمين العام السابق، بان كي مون، أن فرنسا عرقلت، عام 2006، مساعيه لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة. واتصل بان كي مون بوزير الخارجية الفرنسي آنذاك، فيليب دوست بلازي، لمعرفة سبب الاعتراض، فأبلغه الأخير بأن دعم فرنسا مشروط بتعيين مواطن فرنسي في منصب وكيل الأمين العام لعمليات حفظ السلام، أحد أكثر المناصب نفوذاً في الأمم المتحدة.

ووفقاً لرواية بان كي مون، فإنه لم يوافق على هذا الطلب صراحة، بل اكتفى بالقول إن دوست بلازي «يجب أن ينتخبني أميناً عاماً، وبعدها سأنظر في طلبه».

إلا أن الوقائع تشير، بحسب التقرير، إلى أن ما حدث لم يكن موقفاً حازماً بقدر ما كان قبولاً ضمنياً.

فلم يكتفِ بان كي مون بالإبقاء على المسؤول الفرنسي الذي كان يشغل المنصب، بل عيّن لاحقاً فرنسيين آخرين فيه. كما أغفل في سيرته الذاتية الإشارة إلى أنه عيّن دوست بلازي مستشاراً للتمويل المبتكر من أجل التنمية، وهو منصب يعادل رتبة وكيل الأمين العام.

وتُعد هذه الواقعة مثالاً نادراً على حديث أمين عام سابق عن المقايضات التي واجهها، لكنها ليست الحالة الوحيدة. فقد وثّقت الدراسة 12 حالة مماثلة تورط فيها جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، إضافة إلى معظم الأمناء العامين للأمم المتحدة على امتداد تاريخ المنظمة.

وفي بعض الحالات، كانت هذه المقايضات موثقة بشكل واضح، إذ تشير السيرة الذاتية شبه الرسمية للأمين العام السابق كوفي عنان، إلى أنه وافق على تعيين مواطن فرنسي رئيساً لعمليات حفظ السلام مقابل دعم فرنسا.

وفي حالات أخرى، يمكن استنتاج ذلك من تسلسل الأحداث، فعلى سبيل المثال، لا يوجد دليل قاطع على أن قرار الأمين العام السابق، كورت فالدهايم، استحداث منصب جديد لوكيل الأمين العام لمواطن صيني كان مرتبطاً بقرار الصين عدم عرقلة تعيينه عام 1971، إلا أن توقيت الحدث يوحي بذلك.

وفي حالات أخرى، تبقى هذه الصفقات معروفة في الأوساط الدبلوماسية، لكن يصعب إثباتها بشكل قاطع. فقد قال أحد كبار الدبلوماسيين إن تعيين مواطن إسباني مستشاراً لغوتيريش لشؤون السياسة كان «يُعتقد على نطاق واسع» أنه مرتبط بدعم إسبانيا لترشيحه خلال فترة عضويتها في مجلس الأمن.

واتبع الأمناء العامون أساليب مختلفة للتعامل مع هذه الضغوط، لكن لم يتمكّن أي منهم من تجاهلها بالكامل. فقد حاول يو ثانت وكوفي عنان الحد من نفوذ الدول الكبرى عبر تشكيل فرق عمل من اختيارهم، وإن لم ينجحا دائماً في ذلك. وفي المقابل، قبل داغ همرشولد وتريغفي لي، أن يتولى الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن اختيار كبار المسؤولين، ثم شكّلا مجالس استشارية غير رسمية من موظفين أقل رتبة وأكثر ثقة لتولي المهام الفعلية، مع الحد من نفوذ المسؤولين الذين لم يرغبا في العمل معهم.

ويتبع الأمين العام الحالي نهجاً مختلفاً، فمن جهة، خضع غوتيريش للأعراف غير المكتوبة التي تمنح دولاً معينة نفوذاً في توزيع المناصب العليا، بل امتدت هذه المطالب إلى مناصب أقل أهمية، مثل بعض مناصب نواب المديرين، وحتى داخل المكتب التنفيذي للأمين العام، وهي مناصب كانت تُعد سابقاً بعيدة عن مثل هذه التدخلات.

من جهة أخرى، أبدى غوتيريش استعداداً لاستخدام نفوذه لضمان أن يكون الشخص الذي يقع عليه الاختيار، بعد استيفاء شرط الجنسية، من اختياره هو، لا من اختيار دولة بعينها. فعلى سبيل المثال، عندما تعلق الأمر بتعيين آخر نائبين للأمين العام للشؤون الإنسانية، اقتصر نظر غوتيريش على المرشحين البريطانيين، لكنه رفض المرشح المفضل لدى الحكومة البريطانية، واختار بدلاً منه بريطانياً يتمتع باستقلالية أكبر.

وفي وقت تواجه فيه الأمم المتحدة دعوات متزايدة للإصلاح، يرى التقرير أن المساومات التي تُجرى خلف الكواليس لا تسهم في تحقيق هذا الهدف.

فمعظم الدول ومنظمات المجتمع المدني تطالب بإصلاحات تعيد الحيوية إلى النظام متعدد الأطراف، وتستعيد الثقة في الأمم المتحدة.

وإذا كان الأمين العام المقبل قد تعهد مسبقاً بمنح مناصب رفيعة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، فإن الهياكل الحالية ستظل على حالها، مع هامش محدود لإحداث تغيير حقيقي.

عن «فورين بوليسي»

. تقرير لحملة «1 يمثل 8 مليارات» خلص إلى أن جميع الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وفرنسا وروسيا، حاولوا التأثير في استقلالية عمليات الاختيار السابقة، بما في ذلك عملية اختيار الأمين العام الحالي.

. اتبع الأمناء العامون أساليب مختلفة للتعامل مع الضغوط، لكن لم يتمكّن أي منهم من تجاهلها بالكامل.

تويتر