واشنطن وبكين تعملان على تعزيز علاقة بنّاءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي
التصعيد لم يعد خياراً.. أميركا والصين تراهنان على إدارة الخلافات
جين بينغ وترامب خلال القمة الأميركية الصينية في مايو الماضي. أرشيفية
أشارت القمة التي عُقدت في مايو الماضي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى أن العلاقات الصينية - الأميركية تنتقل من مرحلة المواجهة الحادة إلى مرحلة أكثر استقراراً.
وقد التزم الطرفان بتعزيز «علاقة بناءة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي». ولم تختفِ الخلافات بينهما، لكنهما أدركا أن استمرار التصعيد مكلف وخطر وغير قابل للاستمرار، وأن المنافسة يجب أن تخضع لقواعد، وأن تُدار الخلافات بما يمنع خروجها عن السيطرة.
ويستند هذا التقييم إلى منطق استراتيجي سليم. فخلال الحرب الباردة، حالت نظرية «التدمير المتبادل المؤكد» دون انخراط الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في صراع عسكري مباشر. ولم يكن أي من الطرفين يثق بالآخر، لكن كليهما أدرك أنه لا يمكن أن يكون هناك منتصر حقيقي في حرب متصاعدة بين قوتين نوويتين.
وينطبق منطق مماثل على العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. وبطبيعة الحال، يختلف الترابط الاقتصادي عن الردع النووي، كما أن التكاليف المحتملة لسوء التقدير لا تصل إلى المستوى نفسه.
لكن في عالم تتشابك فيه سلاسل القيمة العالمية، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة والصين طورتا علاقة تقوم على «الألم الاقتصادي المتبادل المؤكد». فإذا حاول أي من الطرفين شلّ الآخر عبر الانفصال الكامل، أو ممارسة ضغوط اقتصادية مكثفة، أو اتخاذ خطوات لقطع سلاسل التوريد، فإن ذلك سيُلحق الضرر أيضاً بشركاته ومستهلكيه وأسواقه المالية.
ويُشكل ذلك تحولاً مهماً في العلاقات بين القوى العظمى. فمن الناحية التاريخية، كانت الروابط الاقتصادية بين الدول التي دخلت في حروب محدودة للغاية.
وحتى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت التجارة قد توسعت، لكن جزءاً كبيراً منها كان يتم بين صناعات مختلفة. ولم تصبح التجارة داخل الصناعة الواحدة أكثر انتشاراً إلا بعد الحرب العالمية الثانية، أما اليوم فقد تجاوزت العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين تلك المرحلة، إذ أصبحت أعمق وأوسع نطاقاً من أي شكل سابق للترابط الاقتصادي بين القوى العظمى.
وفي منتصف العقد الثالث من القرن الـ21، لم تعد الولايات المتحدة والصين تقتصران على مجرد التبادل التجاري، بل أصبح اقتصاداهما متشابكين بعمق ضمن أنظمة الإنتاج، وشبكات الابتكار، والأسواق المالية. ولذلك فإن تصعيد أي نزاع ثنائي سيُلحق أضراراً جسيمة بالطرفين، وينطبق ذلك على الحرب، كما ينطبق على الانفصال الاقتصادي الشامل. ورغم أن الترابط الاقتصادي لا يمنع الحرب تلقائياً، فإنه يرفع كلفة السماح للصراع بالخروج عن السيطرة. فهو يمثل عامل استقرار، ولكن فقط عندما تحترم الدول الحدود الأساسية، وتبقي قنوات الاتصال مفتوحة، وتدرك أهمية تجنب سوء التقدير.
وتُعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا مثالاً على الكيفية التي يمكن أن تنحرف بها الأمور عن مسارها. فقبل اندلاع الحرب، كانت أوروبا وروسيا ترتبطان بعلاقات وثيقة من خلال تجارة الطاقة، لكن هذه العلاقة لم تمنع اندلاع النزاع.
وتكمن المشكلة في طبيعة هذا الاعتماد، إذ كان متركزاً بصورة مفرطة في قطاع واحد، وغير متوازن هيكلياً، وسهل الاستخدام كورقة ضغط بمجرد تدهور العلاقات السياسية. والدرس المستفاد ليس أن الترابط الاقتصادي غير قادر على دعم السلام، بل أنه يحتاج إلى توازن وإدارة سليمة.
وخلال السنوات الأخيرة، ركزت دول عديدة على الحد من المخاطر، وتعزيز أمن سلاسل التوريد، وتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية. وتُعد هذه المخاوف مفهومة، إذ كشفت جائحة «كوفيد-19»، والحروب، والعقوبات، والقيود التكنولوجية، عن مواطن الضعف والتحديات التي تصاحب العولمة.
لكن إذا اعتُبر كل شكل من أشكال الترابط تهديداً أمنياً، وكل رابط اقتصادي مصدر ضعف استراتيجي، فإن العالم قد يستبدل خطراً بآخر. فقد يتحول الحد من المخاطر إلى انفصال اقتصادي، وقد يؤدي السعي إلى تأمين سلاسل الإمداد إلى مواجهة مباشرة بين الكتل العالمية.
واكتسبت القمة الأميركية - الصينية الأخيرة أهمية خاصة، لأنها أبرزت إدراكاً مشتركاً بأن قوتين نوويتين متجذرتين بعمق في الاقتصاد العالمي، لا تستطيعان اعتماد التصعيد استراتيجية طويلة الأمد.
ومن الطبيعي أن تستمر المنافسة والتوترات بينهما، لكن إذا نجح الطرفان في إبقاء المنافسة ضمن قواعد واضحة، وحصر المخاوف الأمنية في حدود معقولة، وتحويل الترابط الاقتصادي إلى عامل استقرار بدلاً من استخدامه سلاحاً، فسيكونان قد وضعا أساساً أكثر صلابة للحفاظ على السلام.
ولا يمكن للترابط الاقتصادي أن يضمن السلام، لكنه يجعل فرص الحفاظ عليه أكبر، أما غيابه، فيجعل السلام أكثر هشاشة. وتتمثل المهمة المطروحة أمام الولايات المتحدة والصين في بناء علاقة أكثر توازناً، وقائمة على القواعد، وقابلة للإدارة، لأن البديل هو عالم أكثر خطورة.
عن «جابان تايمز»
. واشنطن وبكين تدركان أن استمرار التصعيد مكلف وخطر.
. لم تعد أميركا والصين تقتصران على مجرد التبادل التجاري، بل أصبح اقتصاداهما متشابكين بعمق ضمن أنظمة الإنتاج، وشبكات الابتكار، والأسواق المالية. ولذلك فإن تصعيد أي نزاع ثنائي سيُلحق أضراراً جسيمة بالطرفين، وينطبق ذلك على الحرب، كما ينطبق على الانفصال الاقتصادي الشامل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news