يتبنون مبدأ «السيادة الوطنية» للدول الأوروبية

المشككون في «الاتحاد الأوروبي» يكتسبون زخماً مفاجئاً في الانتخابات الفرنسية والألمانية

مارين لوبان تتصدر قائمة المتنافسين لخلافة ماكرون. من المصدر

أدت ردة الفعل الأوروبية على انسحاب الولايات المتحدة من دورها القيادي في الدفاع عن القارة، إلى تنسيق استجابة أوروبية شاملة، يلعب فيها الاتحاد الأوروبي دوراً كبيراً، إلا أن هذا الجهد قابل مقاومة من تيار أوروبي واسع، يتمثّل في المشككين بالاتحاد الأوروبي، والذين يتبنون مبدأ «السيادة الوطنية» للدول الأوروبية.

ويتوقع الحزب اليميني المتطرف «البديل من أجل ألمانيا» أن يكون له فرصة قيادة ألمانيا، إما وحده وإما من خلال ائتلاف، وعلى الأقل في انتخابات واحدة من الولايتين الواقعتين في شرق ألمانيا، سبتمبر المقبل، بينما يتصدر أحد المرشحين المحتملين من «حزب التجمع الوطني»، قائمة المرشحين لخلافة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون في أبريل من العام المقبل.

ونشر معهد كوينسي الأميركي دراسة موجزة، في 30 يونيو الماضي، تتعلق بالاحتمالات والعقبات التي تواجه الاتحاد الأوروبي وأعضاء «حلف الناتو» الأوروبيين، لتعزيز قدرات الدفاع الأوروبية، والخيارات التي يقدمها ذلك للسياسة الخارجية الأميركية.

وتعارض الأحزاب القومية والشعبوية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، بجانب أعضاء «حلف الناتو» الأوروبيين، الطموحات المركزية للاتحاد الأوروبي، وتدافع عن امتيازات الحكومات الوطنية في مجال الدفاع والأمن، وتؤيد هذه الأحزاب عموماً وجود دفاع وطني قوي وفعّال، وزيادة في الإنفاق الدفاعي، لكنها لا تبرر ذلك بالإشارة إلى تهديد وشيك بغزو روسي، كما أنها لا تعامل الحرب الروسية - الأوكرانية على أنها صراع وجودي لأوروبا ككل.

الوضع في فرنسا

يواصل حزب التجمع الفرنسي، بقيادة مارين لوبان، وتلميذها جوردان بارديلا، تصدر قائمة المتنافسين لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون، وبهامش كبير، وتم قبول مناشدة لوبان الأخيرة للترشح للرئاسة، وأعلنت ترشحها رسمياً، وسيُرافقها بارديلا في حملتها الانتخابية بصفته رئيساً منتظراً للوزراء.

وأشار بارديلا في مقابلة مع صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ» اليومية، إلى أنه سيسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، للتعاون في الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.

وتستند شعبية حزب التجمع بين أنصاره «تعادل نحو ثلث الناخبين»، على حالة الإحباط الناجمة عن حالة الجمود السياسي التي تواجه البلاد خلال السنوات الأخيرة من رئاسة ماكرون، وسياسات الهجرة، والقومية التقليدية التي تتناقض مع الاتحاد الأوروبي.

وباعتباره رئيس كتلة الوطنيين في البرلمان الأوروبي، قاد بارديلا مرتين الانتخابات لحجب الثقة عن رئيس المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في الوقت الذي كان ماكرون رئيساً مناصراً بقوة للاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن لو بان تعارض أكثر من بارديلا، أي تعزيز للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة التي تقودها المفوضية الأوروبية.

«البديل من أجل ألمانيا»

يُعدّ حزب «البديل من أجل ألمانيا» الأكثر شعبية، إذ يتفوق على تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي، والاتحاد الاجتماعي المسيحي الحاكم، بنحو ست نقاط في أحدث استطلاعات الرأي ولا يُشترط إجراء انتخابات فيدرالية حتى عام 2029، إلا أن نسبة تأييد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، لا تتجاوز 15%. ويرجع هذا الاستياء الشعبي على نطاق واسع، إلى تباطؤ الاقتصاد، وارتفاع كُلفة الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة الألمانية.

وعقد حزب «البديل من أجل ألمانيا» مؤتمره الوطني في مدينة إيرفورت، عاصمة ولاية ثورينجيا الواقعة في شرق البلاد، في الرابع والخامس من يوليو الجاري، في وقت احتشد فيه نحو 20 ألفاً من المتظاهرين من شتى أنحاء ألمانيا في المدينة لإدانة الحزب، وكان المتظاهرون مسالمين إلى حد كبير، ولم يحاولوا تعطيل المؤتمر نفسه، بالنظر إلى الوجود الفعّال للشرطة في المنطقة.

تجنب المتحدثون في المؤتمر الخطاب الاستقطابي المعادي للمهاجرين، والذي يُبرر، في نظر منتقدي الحزب، السعي إلى حظر الحزب باعتباره مخالفاً للدستور.

وبدلاً من ذلك، لجأ حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى استخدام العلم، حرفياً ومجازياً، معرفاً نفسه بأنه وطني، وعملي، ومستعد للحكم، وأكدت قيادة الحزب قبوله كحزب ديمقراطي يميني، ساعيةً بوضوح إلى تعزيز فرص فوزه في واحدة على الأقل من الانتخابات المقرر إجراؤها في ولايتَي «ساكسونيا، أنهالت» في السادس من سبتمبر المقبل، و«مكلنبورغ-فوربومرن» في الـ20 من سبتمبر، وكلاهما في شرق ألمانيا.

ويحظى «حزب البديل من أجل ألمانيا» في «ساكسونيا-إنهالت» بنسبة أصوات تصل إلى 40%، متقدماً بفارق كبير على تحالف «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، الذي يحتل المركز الثاني.

وتشير حسابات الانتخابات إلى أنه من المستبعد جداً تشكيل ائتلاف أغلبية من دون حزب «البديل من أجل ألمانيا»، أما في ولاية «مكلنبورغ-فوربومرن»، فيحكمها حالياً مرشح ديمقراطي اجتماعي يتمتع بشعبية واسعة، بالتحالف مع حزب اليسار.

وتظهر استطلاعات الرأي تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا»، لكن يبدو أن تحالفات محتملة بين الحزب الديمقراطي الاجتماعي وأحزاب أخرى قادرة على تشكيل ائتلاف من دون «البديل من أجل ألمانيا».

لكن في واقع الأمر، لا تتطابق مواقف حزب «البديل من أجل ألمانيا» والتحالف الوطني في جميع القضايا، إلا أن صعود هذين الحزبين يُمثّل تحدياً لعزم التيار الأوروبي السائد الذي يدعو إلى إلحاق هزيمة ساحقة بروسيا كشرط ضروري لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

ويمكن تعزيز فرص مبادرة دبلوماسية أوروبية حقيقية لإحلال السلام في أوكرانيا من خلال مشاركة أكبر من أي من هذين الطرفين في صنع قرارات السياسة الخارجية والأمنية.

ويبدو أن الطرفين على استعداد لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي، لكن من دون ربط هذا القرار بتوقع هجوم روسي وشيك على «حلف الناتو».

ويشير تشكيكهما المشترك في الاتحاد الأوروبي إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، و«حلف الناتو»، وليس المفوضية الأوروبية، هي التي ستقود مسيرة الاستقلال الاستراتيجي.

عن «رسبنسبل ستيتكرافت»

تويتر