تعديلات ضريبية وتشريعات تعيد ملكية مصانع ألواح شمسية إلى مستثمرين محليين

سياسات ترامب تدفع شركات صينية إلى التخارج من سوق الطاقة النظيفة الأميركية

صورة

في أحد مصانع إنتاج الألواح الشمسية بمدينة دالاس في ولاية تكساس، يتدلى العلم الأميركي من سقف المنشأة التي يعمل فيها نحو 1200 موظف، إلى جانب مجموعة من «الروبوتات» المتطورة للغاية.

وينتج المصنع نحو 20 ألف لوحة شمسية يومياً، أي ما يعادل نحو 10% من إجمالي إنتاج الولايات المتحدة من هذه الألواح، وتبلغ القدرة الإنتاجية للمصنع خمسة غيغاواط سنوياً، وهي كمية تكفي لتزويد نحو مليون منزل أميركي بالطاقة الكهربائية.

وأكد أحد كبار المديرين التنفيذيين في شركة «إنرجي تي 1»، راسل غولد، أن ما تحقق يعكس قدرة الولايات المتحدة على الابتكار، قائلاً: «لا تراهن أبداً ضد الهندسة والابتكار في الولايات المتحدة».

إلا أن هذا المصنع لم يكن دائماً بهذه الصورة المزدهرة، حيث قامت شركة «ترينا سولار» الصينية، إحدى أكبر الشركات العالمية في قطاع الطاقة الشمسية، ببناء المنشأة عام 2024، قبل أن تبيعها بعد أيام قليلة فقط من بدء تشغيلها.

ولا تمثل هذه الصفقة حالة استثنائية، حيث شهدت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة موجة واسعة من تخارج الشركات الصينية من استثماراتها في قطاع الطاقة النظيفة، فمنذ عام 2025 تم إلغاء أو تعليق أو بيع استثمارات صينية في مشروعات الطاقة المتجددة داخل الولايات المتحدة، بقيمة تقارب تسعة مليارات دولار، وانتقلت ملكية العديد منها إلى مستثمرين أميركيين.

ووفقاً لأحد المشترين، فقد بيعت بعض هذه الأصول بخصومات وصلت إلى 40% من قيمتها الأصلية.

قانون الضرائب

وجاءت هذه الموجة من التخارج نتيجة تعديل في قانون الضرائب الأميركي، خلال العام الماضي، استهدف الحد من النفوذ الصيني في قطاع الطاقة النظيفة. وأتاح هذا التغيير للمستثمرين الأميركيين فرصة الاستحواذ على أصول عالية القيمة بأسعار منخفضة، محققين بذلك مكاسب مالية كبيرة.

وكانت المفارقة أن قطاع الطاقة النظيفة الأميركي كان يشهد خلال السنوات الماضية توسعاً ملحوظاً في الاستثمارات الصينية، رغم التوتر المتزايد في العلاقات السياسية بين واشنطن وبكين. ففي الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024، استثمرت الشركات الصينية نحو 15.5 مليار دولار في مشروعات الطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة، وهو رقم يعادل تسعة أضعاف حجم استثماراتها خلال السنوات الأربع السابقة.

وقد شكلت الأسواق الخارجية متنفساً مهماً للمصنعين الصينيين الذين كانوا يواجهون منافسة حادة وضعفاً في الأرباح داخل السوق المحلية، بينما بدت الولايات المتحدة سوقاً جاذبة بفضل الحوافز السخية التي قدمتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لمشروعات البطاريات والطاقة الشمسية.

وأسهمت هذه الحوافز في رفع القدرة الإنتاجية السنوية للوحدات الشمسية في الولايات المتحدة إلى نحو 65 غيغاواط، مقارنة بمستوياتها السابقة. وكان المنتجون المرتبطون بالصين مسؤولين عن إنتاج نحو 25 غيغاواط من هذا الإجمالي.

برامج الدعم

إلا أن هذا الواقع تغير بصورة جذرية مع التعديلات التشريعية التي تضمنها «القانون الشامل» الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فمنذ دخول القانون حيز التنفيذ، أصبحت الشركات التي ترتبط بالصين غير مؤهلة للحصول على برامج الدعم الحكومية.

ومن أبرز البرامج التي تأثرت بهذه التعديلات برنامج «القسم 45»، الذي يمنح الشركات تخفيضات ضريبية تبلغ سبعة سنتات عن كل واط من الألواح الشمسية المنتجة، إضافة إلى 35 دولاراً عن كل كيلوواط/ساعة من خلايا البطاريات المصنعة.

وبالنسبة لمصنع تبلغ قدرته الإنتاجية خمسة غيغاواط، مثل المصنع الذي أنشأته شركة «ترينا سولار» في دالاس، فإن قيمة هذا الدعم قد تصل إلى 350 مليون دولار سنوياً.

ووفقاً لتقديرات شركة «روديوم جروب» للأبحاث، فقد تم منذ عام 2022 إلغاء أو تعليق أو تأجيل أكثر من نصف الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة. كما صنفت السلطات الأميركية الشركات الصينية المالكة لمصانع الطاقة الشمسية والبطاريات، ضمن فئة «الكيانات الأجنبية المثيرة للقلق».

ويرى الاستشاري هربرت كروثر، من شركة «يوراسيا غروب» الاستشارية، أن الجهات التنظيمية الأميركية تتبنى تفسيراً صارماً للغاية لهذه القواعد.

ضوابط

وبموجب هذه الضوابط، لا يجوز لأي كيان صيني امتلاك أكثر من 25% من أسهم أي مصنع داخل الولايات المتحدة، كما يُحظر على المصانع الاعتماد على تكنولوجيا صينية مرخصة، ويجب ألا تتجاوز قيمة المكونات المشتراة من الموردين الصينيين 50% من إجمالي مدخلات الإنتاج، على أن تنخفض هذه النسبة تدريجياً لتصل إلى 15% بحلول عام 2030.

وقد مثلت هذه الإجراءات ضربة قوية للمستثمرين الصينيين. ففي إفصاح قدمته شركة «بواي» الصناعية الصينية إلى بورصة شنغهاي في أبريل الماضي، أوضحت أن مصنعها لإنتاج الألواح الشمسية في ولاية كارولاينا الشمالية أصبح غير مجدٍ اقتصادياً بعد فقدانه الدعم الحكومي الأميركي.

وحتى الشركات التي تستطيع الاستمرار دون الاعتماد على الإعفاءات الضريبية، باتت تواجه منافسة صعبة مع المنتجين المحليين الذين يستفيدون من برامج الدعم.

كما أدى استمرار حالة الغموض بشأن قدرة المصانع، حتى بعد إعادة هيكلتها، على الالتزام بالاشتراطات الأميركية الجديدة، إلى إحجام عدد من شركات تركيب أنظمة الطاقة الشمسية والبنوك، وشركات التأمين عن التعامل مع بعض المصنعين، خشية فقدانهم الأهلية للحصول على الإعفاءات الضريبية. وتشير التقديرات إلى أن السلطات الأميركية كانت تتوقع، بل وربما تأمل، خروج المنتجين الصينيين بالكامل من السوق قبل بدء تطبيق هذه القواعد.

استحواذات

وأسفرت تلك التغييرات القانونية عن انتقال مليارات الدولارات من الأصول الصناعية، إلى جانب التكنولوجيا والخبرات، إلى المستثمرين الأميركيين. ففي العام الماضي، استحوذت شركة «كورنينغ» الأميركية على مصنع لإنتاج وحدات الطاقة الشمسية بقدرة اثنين غيغاواط في ولاية أريزونا، من دون الإفصاح عن قيمة الصفقة.

وفي مايو الماضي، باعت شركة «بواي» مصنعها الجديد في ولاية كارولاينا الشمالية، الذي تبلغ قدرته الإنتاجية ثلاثة غيغاواط، مقابل 254 مليون دولار، وهو مبلغ يقل بنحو 15% عن كلفة إنشاء المصنع.

ولا تزال خطوط الإنتاج التي تركتها الشركات الصينية تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الصينية، حيث صممت لتجميع ألواح شمسية مطورة في الصين باستخدام مكونات صينية الصنع.

وفي المقابل، تحاول بعض الشركات الصينية الحفاظ على موطئ قدم لها داخل السوق الأميركية، عبر تأسيس مشروعات مشتركة مع شركاء أميركيين للاستفادة من الإعفاءات الضريبية.

تعامل حذر

غير أن شركات التكنولوجيا النظيفة الأميركية تتعامل بحذر مع هذه الشراكات، خشية أن يؤدي التعاون مع شركات صينية إلى إثارة اعتراضات إدارة ترامب، بينما لا ترغب الشركات الصينية في نقل تقنياتها المتقدمة إلى منافسين مباشرين، وهو ما جعل المستثمرين الماليين، وليس الشركات الصناعية، يشكلون الفئة الرئيسة التي تستحوذ على هذه الأصول.

وعلى سبيل المثال، باعت شركة «جينكو سولار»، 75% من مصنعها لإنتاج الوحدات الشمسية، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية اثنين غيغاواط في مدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا، لشركة الاستثمار الأميركية «إف إتش كابيتال».

ورغم هذه التحولات، فإن فك الارتباط الكامل مع سلاسل التوريد الصينية لايزال يمثل تحدياً بالغ الصعوبة، ليس فقط في قطاع الطاقة النظيفة، وإنما في العديد من الصناعات الأخرى. فالصين تنتج نحو 95% من «البولي سيليكون» المستخدم عالمياً، وهو المادة الخام الأساسية في صناعة الألواح الشمسية.

ولهذا السبب، امتنع عدد من المستثمرين الذين تحدثوا إلى مجلة «الإيكونوميست» عن الكشف عن مصادر حصولهم الجديدة على المواد الخام، معتبرين أن القدرة على تأمين إمدادات غير صينية أصبحت تمثل ميزة تنافسية مهمة.

كما لجأت شركات أخرى إلى حلول مبتكرة لتقليل ارتباطها بالصين، حيث قامت شركة «ترينا سولار» بنقل حقوق ملكيتها الفكرية إلى شركة مقرها سنغافورة، بما يسمح لشركة «إنرجي تي 1» بالحصول على ترخيص استخدام هذه التقنيات.

عن «الإيكونوميست»


التكنولوجيا الخضراء

مع أن التشريعات التي تبناها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استهدفت الحد من طفرة الطاقة النظيفة، وتقليص النفوذ الصيني في هذا القطاع، فإنها قد تؤدي في الوقت ذاته، إلى ظهور جيل جديد من الاستثمارات الأميركية في التكنولوجيا الخضراء.

ويعمل كبير المديرين التنفيذيين في «إنرجي تي 1»، راسل غولد، حالياً على إنشاء مصنع جديد في مدينة أوستن لإنتاج الخلايا الشمسية التي ستستخدم لاحقاً في تصنيع الوحدات داخل مصنع دالاس، بينما تخطط شركة «إف إتش كابيتال» لمضاعفة الطاقة الإنتاجية في مصنعها بمدينة جاكسونفيل، مع التوسع في تصنيع البطاريات أيضاً.

وفي الوقت نفسه، يسعى القطاع إلى إعادة تقديم نفسه باعتباره صناعة قائمة على الاعتبارات الاقتصادية والصناعية، بعيداً عن ارتباطه السابق بالأجندات البيئية، في محاولة للتكيف مع التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية.

. بموجب الضوابط الجديدة، لا يجوز لأي كيان صيني امتلاك أكثر من 25% من أسهم أي مصنع داخل الولايات المتحدة.

تويتر