إقبال على تعلُّمها بوصفها لغة أعمال وتواصل

«الإسبانية» تفتح أبواب الاقتصاد العالمي أمام إفريقيا

ملايين الطلاب في دول إفريقيا جنوب الصحراء يتعلمون اللغة الإسبانية. من المصدر

سمعت غلوريا آني أولى الكلمات الإسبانية في طفولتها أثناء مشاهدتها للمسلسل المكسيكي الشهير «مريم»، ومنذ تلك اللحظة تولد لديها شغف خاص بهذه اللغة التي بدت لها مختلفة وغامضة.

واليوم تتابع غلوريا دراسة الماجستير في فقه اللغة الإسبانية بجامعة «فيليكس هوفويت - بوانيي» في أبيدجان عاصمة ساحل العاج، لتصبح واحدة من بين نحو 3.5 ملايين شخص يتعلمون اللغة الإسبانية في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهو رقم تضاعف تقريباً منذ عام 2014، في مؤشر واضح إلى التوسع المتسارع لحضور اللغة الإسبانية في القارة الإفريقية.

ويعزى هذا الانتشار المتنامي إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها النمو السكاني المتسارع في المنطقة، والانتشار الواسع للموسيقى والأفلام والمسلسلات اللاتينية، والشعبية العالمية لكرة القدم، إلى جانب حركة الهجرة والتبادل الثقافي، فضلاً عن التراجع النسبي لمكانة اللغة الفرنسية في بعض الدول الإفريقية.

وفي إطار تعزيز هذا الحضور، افتتح معهد «سيرفانتس»، أخيراً، مقره الجديد في أبيدجان، بينما يجري الإعداد لافتتاح مركز آخر في الكاميرون، الدولة التي تحتل المرتبة الخامسة عالمياً من حيث عدد متعلمي اللغة الإسبانية، البالغ عددهم نحو 1.2 مليون طالب.

وخلال افتتاح المعهد الجديد الذي يضم مكتبة صغيرة وقاعتين متعددتي الاستخدامات ومختبراً للحاسوب، قال مدير المعهد، لويس غارسيا مونتيرو، إن اللغة الإسبانية أصبحت إحدى اللغات الرئيسة في العالم، مشيراً إلى أن حضورها لم يعد يقتصر على التواصل اللغوي فقط، بل امتد إلى مجالات الثقافة والعلوم والأعمال والعلاقات الدولية.

وأضاف مونتيرو أن أهمية اللغة الإسبانية تتزايد بشكل ملحوظ في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، معتبراً أن هذا النمو يرتبط بالتوسع الديموغرافي وتغير النظرة إليها.

ولفت إلى أن «الإسبانية» لا تطرح في إفريقيا بوصفها لغة هيمنة أو نفوذ، بل لغة للحوار والتواصل، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على تعلمها كلغة ثانية في دول مثل بنين وساحل العاج والكاميرون.

وجاءت هذه المعطيات ضمن كتاب حديث بعنوان «الإسبانية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى»، أعده معهد «سيرفانتس»، بالتعاون مع مؤسسة «كاسا أفريكا»، حيث سلط الضوء على التحولات التي تشهدها القارة في مجال تعليم اللغة الإسبانية.

بدوره، أكد المدير الأكاديمي لمعهد «سيرفانتس»، ألفارو غارسيا، أن التوسع الذي شهدته اللغة الإسبانية في المنطقة كان استثنائياً خلال السنوات الأخيرة.

وأشار إلى أن 10 دول إفريقية باتت تمتلك مستويات متوسطة أو مرتفعة من تدريس «الإسبانية» ضمن مؤسساتها التعليمية، حيث تدرس المادة في المدارس الثانوية التي تستوعب نحو 95% من إجمالي الطلاب المتعلمين للغة.

وتضم هذه الدول الكاميرون التي يتعلم فيها 1.2 مليون طالب اللغة الإسبانية، وساحل العاج التي تضم نحو مليون متعلم، وبنين التي يبلغ عدد طلاب «الإسبانية» فيها 725 ألفاً، إضافة إلى السنغال والرأس الأخضر والغابون وغينيا الاستوائية ومدغشقر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتوغو.

ويشكل هؤلاء مجتمعين نحو 13.5% من إجمالي متعلمي اللغة الإسبانية في العالم، ما يعكس التحول الكبير الذي تشهده إفريقيا باعتبارها إحدى أهم الساحات الجديدة لانتشار اللغة.

وعلى مستوى الدول الأكثر استقطاباً لمتعلمي «الإسبانية»، تتصدر الولايات المتحدة القائمة بنحو 8.5 ملايين متعلم، تليها البرازيل بأربعة ملايين، ثم فرنسا بـ3.6 ملايين متعلم، والمملكة المتحدة بنحو مليوني متعلم، بينما تحتل الكاميرون المرتبة الخامسة عالمياً.

وأصبحت إفريقيا اليوم رابع أكبر منطقة في العالم من حيث إسهامها في زيادة أعداد متعلمي اللغة الإسبانية كلغة أجنبية، كما أن خمس دول إفريقية باتت ضمن قائمة الدول الـ15 الأولى عالمياً من حيث أعداد الطلاب الدارسين لهذه اللغة، ويرى الخبراء أن آفاق النمو لاتزال واسعة، خصوصاً في الدول الناطقة بالإنجليزية والبرتغالية، التي تمثل أسواقاً واعدة لتوسع تعليم اللغة الإسبانية.

ولتعزيز هذا المسار، أطلق معهد «سيرفانتس»، المرصد العالمي للغة الإسبانية في إفريقيا، بهدف دراسة أبعاد هذا التوسع وتحليل آثاره المستقبلية، ويعكس تطور حضور المعهد نفسه حجم هذا النمو، حيث بدأ نشاطه في القارة عام 2010 من غرفة صغيرة في العاصمة السنغالية داكار، قبل أن يتحول إلى معهد متكامل افتتحته الملكة الإسبانية ليتيثيا عام 2021.

واليوم يواصل المعهد توسعه عبر مركزه الجديد في أبيدجان، بعد سنوات من العمل دون مقر دائم، بينما تتجه الأنظار إلى العاصمة الكاميرونية ياوندي، التي ينتظر افتتاح مركز جديد فيها خلال السنوات المقبلة.

ويعكس الطلاب أنفسهم دوافع هذا الإقبال المتزايد على تعلم اللغة، فموسى بامبا، الطالب في السنة الأولى لدراسة فقه اللغة الإسبانية في ساحل العاج، يرى أن الانتشار الواسع للغة الإسبانية حول العالم يجعلها لغة ذات قيمة كبيرة على المستويين الشخصي والمهني، ويؤكد أن إجادتها قد تفتح أمامه فرصاً عديدة في المستقبل، معرباً عن رغبته في أن يصبح مدرساً للغة الإسبانية في إحدى المدارس الثانوية.

وفي الجانب الاقتصادي، قال رئيس الغرفة الاقتصادية الرسمية لإسبانيا في السنغال، رامون نيكولاو، إن لغات أخرى على رأسها الصينية، تتفوق عددياً بفضل الكثافة السكانية الضخمة للدول الناطقة بها، حيث يبلغ عدد المتحدثين بالصينية نحو مليار شخص، مقابل نحو 635 مليون متحدث بـ«الإسبانية» حول العالم.

ومع ذلك، أكد نيكولاو أن اللغة الإسبانية تتمتع بمكانة استثنائية داخل المنظومة الاقتصادية والتجارية العالمية، حيث تعد ثاني أهم لغة بعد الإنجليزية من حيث تأثيرها الاقتصادي والتجاري، ويرى أن «الإسبانية» لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت أداة لبناء الثقة وتوسيع الشبكات التجارية، وتعزيز فرص الاستثمار، فضلاً عن كونها جسراً استراتيجياً يربط بين الأسواق والمجتمعات، ويمنح الاقتصادات فرصاً أوسع للتكامل والانفتاح على العالم.

عن «إل باييس»

. اللغة الإسبانية تعد ثاني أهم لغة بعد «الإنجليزية» من حيث تأثيرها الاقتصادي والتجاري حول العالم.

تويتر