من دعم جهود نزع السلاح النووي إلى تقارب استراتيجي في مواجهة المتغيّرات الدولية
تصاعُد النفوذ الروسي يُغيّر أولويات الصين في كوريا الشمالية
كيم وشي اتفقا على تطوير العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد. أ.ف.ب
شهدت العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية تحولات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، عكست تغيّراً في البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية، فعندما زار الرئيس الصيني، شي جين بينغ، بيونغ يانغ عام 2019، كانت الجهود الدولية الرامية إلى احتواء البرنامج النووي الكوري الشمالي لاتزال قائمة، وكانت الصين وروسيا، رغم علاقاتهما التاريخية الوثيقة بكوريا الشمالية، تؤيدان تشديد العقوبات الأممية المفروضة عليها ضمن سياسة «الضغط الأقصى» التي قادتها الولايات المتحدة ضد نظام الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون.
في ذلك الوقت، كان كيم قد عقد قمتين تاريخيتين مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى، ورغم انتهاء القمة الثانية في هانوي من دون نتائج ملموسة، فإن الأمل ظل قائماً بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية بشأن الملف النووي.
وخلال زيارته إلى بيونغ يانغ، أعرب شي عن دعمه لمسار الحوار، وأشاد بما وصفه بجهود كيم الرامية إلى تحقيق نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية.
اختلاف الأولويات
أما حالياً، ومع زيارة شي الثانية لكوريا الشمالية التي اختتمها أمس، بعد أن استمرت يومين، بدت الأولويات الصينية مختلفة بصورة واضحة، حيث ذكرت وكالة الأنباء المركزية الكورية أن كيم وشي، اتفقا خلال قمتهما على تعزيز التعاون بين البلدين في قطاعات مختلفة، وتطوير العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد.
فلم يعد نزع السلاح النووي يحتل الموقع ذاته على أجندة بكين، بل أصبح الهدف الأبرز يتمثّل في احتواء التوسّع المتزايد للنفوذ الروسي داخل كوريا الشمالية، والذي تعزّز بشكل كبير بعد إرسال بيونغ يانغ قوات للمشاركة في الحرب الروسية الأوكرانية عام 2024.
وسعت الصين كذلك إلى إعادة تأكيد موقعها كشريك اقتصادي رئيس لكوريا الشمالية، لاسيما في ظل التوقعات المتزايدة بإمكانية سعي ترامب، إلى إحياء قنوات الحوار مع كيم جونغ أون، بل إن بعض المراقبين يذهبون إلى حد الاعتقاد بأن شي قد حمل معه رسائل أو إشارات غير مباشرة من ترامب إلى القيادة الكورية الشمالية.
لكن يبدو أن مسألة وقف البرنامج النووي الكوري الشمالي، الذي أصبح أكثر تطوراً وتعقيداً من البرنامج النووي الإيراني، لم تعد أولوية صينية مُلحة كما كانت في السابق، ويرجح أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة صعوبة أي محاولة أميركية مستقبلية لإقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن قدراتها النووية.
عامل رئيس
ويُعدّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أحد العوامل الرئيسة وراء هذا التغيير، فمقابل الدعم العسكري الذي قدمته كوريا الشمالية لروسيا في أوكرانيا، حصلت بيونغ يانغ على مساعدات مالية واقتصادية وعسكرية، أسهمت في تعزيز اقتصادها المتعثر، وتطوير قدراتها الدفاعية.
كما انتقلت العلاقات بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق، بعد توقيع معاهدة دفاع مشترك، فضلاً عن تبني موسكو موقفاً عملياً يعترف بكوريا الشمالية كقوة نووية، رغم استمرار دعمها الرسمي لقرارات مجلس الأمن الدولي، الهادفة إلى منع انتشار الأسلحة النووية.
وتجسّد هذا التوجه الروسي في تصريحات وزير الخارجية، سيرغي لافروف، الذي وصف الوضع النووي لكوريا الشمالية بأنه «قضية محسومة»، ويثير هذا التطور قلقاً متزايداً لدى القيادة الصينية، رغم استمرار دعمها السياسي لموسكو في الحرب الأوكرانية.
مخاطر
وعلى غرار بوتين، لطالما خشيت بكين من احتمال انهيار النظام الكوري الشمالي وما قد ينتج عنه من توحيد شبه الجزيرة الكورية تحت قيادة حكومة ديمقراطية موالية للغرب، وفي مثل هذا السيناريو، قد تنتقل القوات الأميركية المتمركزة حالياً في كوريا الجنوبية إلى مناطق قريبة من الحدود الصينية والروسية، الأمر الذي يُمثّل تهديداً استراتيجياً مباشراً للبلدين.
إلا أن الصين تختلف مع روسيا في تقييمها لبعض المخاطر الأخرى، فبكين تشعر بقلق بالغ من احتمال أن تؤدي السياسات العدائية الكورية الشمالية والتهديدات النووية المتواصلة إلى دفع كلٍّ من اليابان وكوريا الجنوبية نحو امتلاك أسلحة نووية خاصة بهما، وهو ما قد يغيّر بصورة جذرية ميزان القوى في شرق آسيا.
ويرى خبراء صينيون أن شي جين بينغ، لايزال مدركاً لهذه المخاطر، لكنه أصبح مقتنعاً بأن الضغط على كيم جونغ أون للتخلي عن برنامجه النووي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في كوريا الشمالية، وهو سيناريو لا ترغب بكين في تحمله.
كما تدرك الصين أن الولايات المتحدة لا تستطيع المخاطرة بشن عمل عسكري مباشر ضد دولة تمتلك قدرات نووية متنامية.
رسالة واضحة
ومنذ فشل قمة هانوي عام 2019، لم يعلن كيم مجدداً التزامه بنزع السلاح النووي، بل على العكس، كثّف من برامج التسلح النووي والصاروخي، وأجرى سلسلة من الاختبارات لصواريخ باليستية عابرة للقارات.
كما أن التطورات الدولية الأخيرة، خصوصاً المواجهات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، عزّزت قناعة القيادة الكورية الشمالية بأهمية الاحتفاظ بترسانتها النووية، باعتبارها الضمانة الأساسية لبقاء النظام.
وقبيل زيارة شي جين بينغ الأخيرة، وجّه كيم رسالة واضحة تؤكد تمسكه بخياره النووي، حيث كشفت وسائل الإعلام الرسمية الكورية الشمالية في الرابع من يونيو الجاري عن منشأة جديدة لإنتاج المواد النووية، ونشرت صوراً لموقع يُعتقد أنه مخصص لتخصيب اليورانيوم.
وأشارت التقارير الرسمية إلى أن القدرة الإنتاجية للمواد الانشطارية المستخدمة في تصنيع الأسلحة النووية تضاعفت أكثر من مرتين خلال السنوات الخمس الماضية.
وتُقدّر الأجهزة الاستخباراتية الكورية الجنوبية، أن جارتها الشمالية باتت قادرة على إنتاج كميات من المواد الانشطارية تكفي لصناعة ما بين 10 و20 رأساً نووياً إضافياً سنوياً، كما أكدت شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، كيم يو جونغ في السابع من يونيو أن الوضع النووي لبلادها أصبح «غير قابل للتراجع».
دولة نووية
وتؤكد مؤشرات عدة أن الصين بدأت تتعامل عملياً مع كوريا الشمالية، باعتبارها دولة نووية بحكم الأمر الواقع، وظهر ذلك بوضوح خلال العرض العسكري الذي أُقيم في بكين في سبتمبر 2025، حيث وقف كيم جونغ أون، والرئيس الروسي إلى جانب شي جين بينغ في مشهد حمل دلالات سياسية مهمة.
كما أن البيانات الرسمية الصينية الصادرة عقب اللقاءات الأخيرة بين شي وكيم لم تتضمن أي إشارات إلى هدف نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، خلافاً لما كان يحدث في السنوات السابقة، وتكرر الأمر خلال القمم الأخيرة التي جمعت شي بكلٍّ من ترامب وبوتين، حيث تحدثت البيانات الصينية عن مناقشة أوضاع شبه الجزيرة الكورية من دون الإشارة إلى قضية نزع السلاح النووي.
تعقيد الحسابات
وإلى جانب سعيها لاحتواء النفوذ الروسي، تأمل الصين في الاستفادة من الملف الكوري الشمالي، لتعقيد الحسابات العسكرية الأميركية في شرق آسيا.
ويرى الباحث تونغ تشاو من مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، أن بكين تسعى إلى استثمار الخلافات القائمة بين واشنطن وسيؤول بشأن توزيع الأدوار الدفاعية، حيث ترغب الولايات المتحدة في توجيه جزء أكبر من قدراتها العسكرية نحو مواجهة الصين، بينما تتحمل كوريا الجنوبية مسؤولية أكبر في مواجهة التهديد الكوري الشمالي.
ووفقاً لتشاو، تولي الصين أيضاً أهمية استراتيجية خاصة للوصول إلى بحر اليابان عبر الأراضي الكورية الشمالية، حيث تعمل بكين على تنشيط علاقاتها الاقتصادية مع بيونغ يانغ من خلال تطوير البنية التحتية الحدودية، وإعادة تشغيل خطوط النقل المباشر التي توقفت خلال جائحة «كورونا»، بما في ذلك الرحلات الجوية، وخطوط السكك الحديدية التي استؤنفت في مارس الماضي.
ويعتقد بعض الخبراء الصينيين أن بكين أصبحت أكثر ثقة بقدرتها على إدارة التداعيات الإقليمية المترتبة على الاعتراف الضمني بكوريا الشمالية كدولة نووية.
كما يرون أن هذا الموقف لن يضر بشكل جوهري بعلاقاتها مع كوريا الجنوبية، لاسيما في ظل توجهات الحكومة الكورية الجنوبية الحالية التي تفضل الحوار مع بيونغ يانغ، وتدعم مقاربة تدريجية لمعالجة الملف النووي بدلاً من المطالبة الفورية بنزع السلاح بالكامل.
عن «الإيكونوميست»
تعقيد تسوية الملف النووي
هناك سؤال مهم يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على إعادة كوريا الشمالية إلى طاولة المفاوضات، فقد أبدى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، استعداداً للقاء الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، مجدداً، بل ووصف كوريا الشمالية في بعض تصريحاته بأنها «قوة نووية».
إلا أن كيم أكد، في خطاب ألقاه خلال سبتمبر الماضي، أن أي استئناف للمحادثات يتطلب تخلي واشنطن، بشكل صريح، عن مطلب نزع السلاح النووي الكوري الشمالي.
وخلال ولاية ترامب الأولى، كان احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية مطروحاً كخيار للضغط على بيونغ يانغ، أما اليوم فإن الظروف تبدو مختلفة تماماً، فالإدارة الأميركية تواجه تحديات متعددة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، كما أن القدرات النووية الكورية الشمالية أصبحت تُشكّل عامل ردع فاعلاً ضد أي هجوم محتمل.
ومع الدعم المتزايد الذي تتلقاه كوريا الشمالية من كلٍّ من روسيا والصين، أصبح كيم جونغ أون يمتلك موقعاً تفاوضياً أقوى من أي وقت مضى، الأمر الذي يجعل أي تسوية مستقبلية للملف النووي أكثر تعقيداً وصعوبة مما كانت عليه قبل سنوات قليلة.
. الصين تسعى إلى إعادة تأكيد موقعها شريكاً اقتصادياً رئيساً لكوريا الشمالية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news