شائعات عن تحركات لاستبدال المستشار الألماني.. وهندريك ويست أبرز المرشحين للمنصب

ميرتس يواجه ضغوطاً متصاعدة مع تراجع شعبيته وتعثّر الإصلاحات الاقتصادية

صورة

يشهد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، ظروفاً سياسية تشبه، إلى حد كبير، تلك التي يمر بها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة واحتمالات منافسة داخلية على زعامة حزبه من قبل السياسي العمالي آندي بورنهام.

فميرتس يواجه تحديات متنامية داخل حزبه، وقد يجد نفسه أمام مصير مشابه إذا لم يتمكن من تعزيز موقعه السياسي واستعادة ثقة الناخبين الألمان.

وتبدو هذه الصورة مألوفة في المشهد السياسي البريطاني، حيث غالباً ما يجد رؤساء الحكومات أنفسهم، قبل استكمال ولاياتهم، في مواجهة تراجع شعبيتهم، وازدياد المؤامرات الداخلية، وصعود التيارات اليمينية، إلى جانب التكهنات المستمرة بشأن مستقبلهم السياسي.

وفي مثل هذه الأجواء، يظهر عادة منافسون أصغر سناً وأكثر جاذبية جماهيرية، خصوصاً من المناطق الصناعية، يقدمون أنفسهم بديلاً قادراً على استعادة الناخبين المنقسمين من خلال نهج سياسي أكثر قبولاً وحداثة.

وفي ألمانيا، أحاطت بالمستشار ميرتس، خلال الأيام الماضية، شائعات متزايدة تحدثت عن وجود تحركات داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي تهدف إلى عزله.

وذكرت صحف ألمانية عدة أن شخصيات بارزة في الحزب المحافظ المنتمي إلى تيار يمين الوسط، أصبحت تشعر بإحباط متزايد من أدائه، إلى درجة دفعتها إلى مناقشة إمكانية استبداله سراً قبل موعد الانتخابات الفيدرالية المقبلة.

المرشح الأوفر حظاً

ويأتي ذلك في وقت يواصل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي تراجعه في استطلاعات الرأي، متخلفاً أكثر فأكثر عن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتشدد.

كما ارتفعت نسبة الألمان الذين يرون أن ميرتس لا يؤدي مهامه بالشكل المطلوب، الأمر الذي دفع عدداً من النواب إلى التشكيك علناً في قدرته على تغيير مسار الحزب واستعادة زخمه السياسي.

وفي خضم هذه التطورات، يبرز اسم هندريك ويست، باعتباره المرشح الأوفر حظاً لخلافة ميرتس في حال تصاعدت الضغوط الداخلية.

ويشغل ويست منصب رئيس وزراء ولاية شمال الراين وستفاليا، أكبر الولايات الألمانية من حيث عدد السكان، كما يتمتع بحضور إعلامي قوي ويُعدّ من أكثر الشخصيات شعبية داخل الحزب.

ويبلغ ويست 50 عاماً، إلا أن صورته العامة تمنحه مظهراً أكثر شباباً وحيوية، كما نجح إلى حد كبير في مقاومة موجة التراجع التي طالت شعبية حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على المستوى الوطني.

وتشير التوقعات إلى أنه يسير بثبات نحو الفوز بولاية جديدة في الانتخابات الإقليمية المقبلة في شمال الراين وستفاليا، وهي ولاية لطالما اعتُبرت معقلاً تقليدياً لقوى يسار الوسط، وتتمتع بتاريخ صناعي عريق.

رسائل غير مباشرة

ورغم الشائعات المتداولة، سارع ويست إلى نفي وجود أي تحركات ضد المستشار، مؤكداً أن ما يتم تداوله لا يعدو كونه «هراء محضاً»، كما وصفه، مشدداً على أن ميرتس يحظى بدعمه الكامل.

ومع ذلك، فإن طموحات ويست للوصول إلى منصب المستشار مستقبلاً ليست سراً داخل الأوساط السياسية الألمانية.

وقبل أن يحصل ميرتس على ترشيح الحزب لخوض الانتخابات الوطنية العام الماضي، كان ويست قد أبدى بوضوح رغبته في التراجع عن المنافسة المباشرة، لكنه أمضى أشهراً يبعث عبر وسائل الإعلام رسائل غير مباشرة تعكس عدم رضاه عن الطريقة التي كان ميرتس يقود بها الحزب.

ولذلك عندما زار ويست أخيراً، بولندا واصطحب معه عدداً من الصحافيين من برلين في خطوة غير معتادة، انتشرت التكهنات مجدداً حول نواياه السياسية ومستقبله داخل الحزب.

نقيض ميرتس

ويعتبر كثير من منتقدي ميرتس أن ويست يمثّل نقيضاً كاملاً له، من حيث الأسلوب والشخصية، فالمستشار الألماني ميرتس معروف بسرعة انفعاله وحدة ردود أفعاله.

ووفقاً لتقارير إعلامية، شهد أحد الاجتماعات الأخيرة مع شركائه في الائتلاف الحكومي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي حالة من التوتر، بعدما أبدى غضباً شديداً إثر رفض نائب المستشار التوصل إلى تسوية بشأن حزمة إصلاحات طال انتظارها.

كما أن تصريحات ميرتس العفوية تسببت له في مشكلات متكررة، ففي خريف العام الماضي، أثار جدلاً واسعاً بعدما تحدث عن أن طالبي اللجوء «يتسببون في مشكلات داخل المشهد الحضاري لألمانيا»، وهو تصريح هيمن على النقاش السياسي لأسابيع.

وفي الآونة الأخيرة، أثارت تصريحاته بشأن إيران والولايات المتحدة، ردود فعل غاضبة في واشنطن، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول مدى حكمته السياسية، وقدرته على تجنب الأزمات الدبلوماسية.

حتى إن رد فعل المستشارية الألمانية على شائعات الانقلاب عكس أسلوب ميرتس المعروف بالمواجهة المباشرة، فقد خرج مقربون منه برد حاد، مؤكدين أن مروجي هذه الشائعات «يلعبون بالنار»، ويسهمون بشكل غير مباشر في خدمة مصالح حزب البديل من أجل ألمانيا.

صورة مختلفة

وفي المقابل، يتمتع ويست بصورة إعلامية مختلفة تماماً، حيث إنه يظهر دائماً بمظهر أنيق وشعر مرتب ونظارات فاخرة، كما يحرص على إدارة صورته العامة بعناية، وقد نجح في ترسيخ نفسه باعتباره امتداداً للنهج الوسطي والهادئ الذي ارتبط بالمستشارة السابقة أنغيلا ميركل، خصوصاً من خلال إدارته لولاية شمال الراين وستفاليا، بالشراكة مع حزب الخضر في دوسلدورف.

ومع ذلك، فإن ما أوصل ميرتس إلى قيادة الحزب لم يكن هذا النهج الوسطي، بل استعداده للظهور كشخصية تتحدى المألوف، وتطرح نفسها كقوة تغيير.

الإصلاح الاقتصادي

ومع دخول ألمانيا عامها التاسع من التباطؤ الاقتصادي غير المسبوق، لاقت وعود ميرتس الذي سبق له العمل مديراً تنفيذياً في شركة «بلاك روك»، صدى واسعاً لدى الرأي العام.

فقد تعهد آنذاك بإحياء الاقتصاد الألماني من خلال خفض الضرائب، وتخفيف القيود التنظيمية المفروضة على الشركات والاستثمارات، إلا أن حصيلة العام الأول من قيادته لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات، حيث لم يتمكن حتى الآن من تحقيق الجزء الأكبر من الإصلاحات التي وعد بها.

كما أن رفضه التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا، تركه أمام خيار وحيد تقريباً، وهو تشكيل حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

غير أن هذا الحزب، الذي يعاني تراجعاً تاريخياً في شعبيته، أبدى تحفظاً واضحاً تجاه عدد من المقترحات الإصلاحية، مثل رفع سن التقاعد أو تخفيض الضرائب على أصحاب الدخل المرتفع، خشية خسارة مزيد من مؤيديه.

ونتيجة لذلك، لم يتمكن ميرتس حتى الآن من تقديم برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وعد بعرضه على البرلمان خلال الخريف الماضي.

كما بدأ صبر مجتمع الأعمال الألماني ينفد بسرعة، فبعد الترحيب الأولي بوصول ميرتس إلى السلطة، أظهرت بيانات حديثة أن ألمانيا فقدت نحو 130 ألف وظيفة صناعية خلال العام الماضي، في استمرار لمسار التراجع الذي بدأ منذ عام 2019.

تغيير المشهد

ويُدرك المستشار الألماني أن الوقت المتاح أمامه محدود، فالعطلة الصيفية لـ«البوندستاغ» (البرلمان) تنتهي مع نهاية يونيو الجاري، بينما قد تشهد بداية الخريف ثلاثة انتخابات إقليمية مهمة يمكن أن تزيد الضغوط على الائتلاف الحاكم.

وفي الوقت نفسه، يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا تعزيز مواقعه في ولايتي ساكسونيا أنهالت، ومكلنبورغ فوربومرن، حيث تشير التوقعات إلى إمكانية تحقيقه نتائج قوية قد تمنحه زخماً إضافياً على الساحة الوطنية.

وأفادت مجلة «دير شبيغل» بأن ميرتس لا يحتاج حالياً إلى القلق من منافسه ويست، لكنها حذّرت من أن نتائج سيئة في الانتخابات الإقليمية المقبلة قد تغير المشهد بالكامل وتفتح الباب أمام تحديات جدية لقيادته.

وقد تؤدي أي خسائر انتخابية كبيرة إلى تصاعد الدعوات داخل الحزبين الحاكمين لإجراء تغييرات في القيادة، ويرى عدد من المحللين أن ميرتس قد يواجه تحدياً حقيقياً على زعامة الحزب قبل نهاية العام الجاري.

ورغم أن الحديث عن انقلاب داخلي ضد ميرتس لايزال في إطار التكهنات، فإن استمرار تأخر الإصلاحات الكبرى وتراجع شعبية الحزب قد يجعلان من الصعب تجاهل مؤشرات الاضطراب المتزايدة داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي خلال الأشهر المقبلة.

عن «ذا تلغراف»


حجب الثقة

تعد إزاحة مستشار ألماني من منصبه، خلال فترة ولايته، ليست عملية سهلة، ففي حال رفض المستشار، فريدريش ميرتس، الاستقالة طوعاً، سيتعين على معارضيه داخل الحزب اللجوء إلى آلية «حجب الثقة البناء»، وهو إجراء دستوري معقد يتطلب الاتفاق على خليفة، يحظى بأغلبية برلمانية.

ولا يشترط الدستور أن يكون المستشار الجديد عضواً في «البوندستاغ»، ما يعني نظرياً إمكانية انتقال هندريك ويست، باعتباره المرشح الأوفر حظاً لخلافة ميرتس، مباشرة من منصبه رئيس وزراء ولاية شمال الراين وستفاليا، إلى قيادة الحكومة الاتحادية.

ورغم أن هذا السيناريو يظل مستبعداً في الوقت الراهن، فإنه ليس بلا سابقة تاريخية، فقد شهدت ألمانيا، في أوائل ثمانينات القرن الماضي، إطاحة المستشار هيلموت شميدت خلال ولايته، عبر آلية مشابهة.

. حصيلة العام الأول من قيادة ميرتس لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات، حيث لم يتمكن من تحقيق الجزء الأكبر من الإصلاحات التي وعد بها.

تويتر