قلق ومخاوف من ظروف العمل غير الآمنة ونقص المعدات الطبية

غياب التعاون الدولي و«الوكالة الأميركية للتنمية» يفاقم انتشار «إيبولا»

منظمة الصحة العالمية رصدت 739 حالة مشتبهاً فيها بالكونغو حتى الآن. إي.بي.إيه

حتى العام الماضي 2025 كانت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية جزءاً من نظام مُجرب من أجل مكافحة وباء «إيبولا»، لكن نظراً لغياب هذه الوكالة، فإن تجاوب الولايات المتحدة مع انتشار هذا الوباء المتزايد كان بطيئاً ومفككاً، وفقاً لما قاله عشرات الموظفين الفيدراليين لمحطة «إن بي إس نيوز»، فإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أضعفت هذه الوكالة العام الماضي، وألغت غالبية برامجها وسرحت معظم العاملين فيها، إلا أنه تم إنقاذ نحو 1000 برنامج ودمجها في وزارة الخارجية.

وصرح مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ومراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، والمعاهد الوطنية للصحة، والبيت الأبيض، في مقابلات عدة، أنه لو كانت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لاتزال قائمة، لكان من الممكن لمواردها أن تساعد في احتواء فيروس «إيبولا» في هذا التفشي الجديد، بل إنقاذ أرواح.

السرعة في التعامل

وقد تم رصد التفشي الأسبوع الماضي في الكونغو، لكن من المرجح أن «إيبولا» كان ينتشر دون اكتشافه لأسابيع قبل ذلك. وحتى الأسبوع الماضي بلغ عدد الوفيات المشتبه بها 139 حالة، وعدد الإصابات 600 حالة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، مع مخاوف من أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى بكثير.

وقال القائم بالأعمال السابق لشؤون الصحة الدولية في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، نيكولاس إنريتش: «لقد فقدنا السرعة في التعامل مع الوباء، وهي أهم عامل في التعامل مع وباء اندلع بهذا الشكل». وأكد إنريتش وخبراء آخرون أنه كان من الممكن أن تساعد الوكالة الدولية في الكونغو بالكشف عن الفيروس في وقت مبكر، وأن تعمل على تسريع توزيع المعدات الوقائية للمشافي، ونشر العاملين الصحيين المحليين في المجتمع لفحص الناس.

أما الأستاذ الزائر في معهد جنيف للدراسات العليا والمسؤول الطبي السابق في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، الدكتور دانيال باوش، فكشف أن العاملين الصحيين المجتمعيين ذوي الخبرة من تفشي أمراض سابقة، اضطروا منذ ذلك الحين إلى البحث عن وظائف أخرى، وقال: «هم يعملون الآن في قيادة سيارات التاكسي في ولاية كنساس الأميركية، أو بيع الفواكه في أماكن أخرى».

بدورها، أكدت لجنة الإنقاذ الدولية، وهي متعاقد سابق مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أن تخفيضات التمويل الأميركي العام الماضي أجبرتها على تقليص وجودها في مقاطعة «إيتوري» التي يتركز فيها تفشي المرض، بما في ذلك تقليص جهود المراقبة، وإجراءات الصرف الصحي مثل محطات غسل اليدين، والاستحمام، ودورات المياه.

واتفقت المديرة الإقليمية للجنة الإنقاذ الدولية في الكونغو، هيذر ريوش كير، في ذلك، بقولها إن نقص تمويل المانحين قلل من قدرة المجموعة على توزيع معدات الوقاية الشخصية.

وجهة نظر أخرى

ونفت وزارة الخارجية الأميركية، مراراً وتكراراً، أن يكون إلغاء العديد من برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أدى إلى إعاقة اكتشاف «إيبولا» في أنغولا أو قدرات مكافحته. وقال المتحدث باسم الوزارة، تومي بيغوت: «من غير الصحيح الادعاء بأن إصلاحات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قد أثرت سلباً على قدرتنا على الاستجابة لـ(إيبولا)».

وإن لعالِم الأوبئة الطبية السابق في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، والذي يشغل حالياً منصب أستاذ علم أوبئة الأمراض المعدية في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، الدكتور ديفيد هايمان، وجهة نظر أخرى، إذ يقول: «إن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص التمويل الأميركي»، موضحاً: «المشكلة أنهم لا يعملون بصورة مشتركة على الصعيد الدولي، كما أنهم لا يتعاونون مع الوكالات الدولية، ولكني لا أستطيع أن أجزم بما إذا كانت الاستجابة لمكافحة المرض ستتأثر سلباً نتيجة ذلك».

الانسحاب الأميركي

وانسحبت الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية بعد أن اتهم الرئيس دونالد ترامب المنظمة بأنها فشلت في التعامل مع وباء «كورونا». ومع انسحاب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، اضطلعت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بدور أكبر في الاستجابة لتفشي الأمراض. وأعلنت الوكالة أخيراً أن مكاتبها في الكونغو وأوغندا تساعد في عمليات الترصد، والتشخيص المختبري، وتتبع المخالطين، وتوزيع معدات الوقاية الشخصية.

وقال مدير الاستجابة لوباء «إيبولا» في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، الدكتور ساتيش بيلاي، خلال مؤتمر صحافي عبر الهاتف: «لدينا وجود راسخ منذ فترة طويلة من خلال مكتب كبير في أوغندا يضم ما يقارب 100 موظف، ولدينا أيضاً مكتب في الكونغو الديمقراطية يضم نحو 30 موظفاً».

لكن الأستاذ الزائر في معهد جنيف للدراسات العليا والمسؤول الطبي السابق في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، الدكتور دانيال باوش، أعرب عن قلقه من أن موظفي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها لا يمكنهم أن يحلوا محل العاملين الذين كانت توظفهم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية سابقاً.

وقال: «إنهم لا يتحدثون اللغة، ولا يعرفون الثقافة، ولا يدركون طبيعة المنطقة الجغرافية، كما أنهم يفتقرون إلى الخبرة في قضايا الأمن والسلامة في المنطقة». وأضاف أن الأشخاص الذين يسهمون فعلاً في إنجاح الأمور هم السكان المحليون الذين لديهم خبرة في هذا المجال من تفشيات سابقة.

أما المتحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، أندرو نيكسون، فرأى أن لدى مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها «خبرة واسعة» في مجال الحمى النزفية الفيروسية، وهي فئة الأمراض التي تشمل «إيبولا».

نقص المعدات

وينتظر العديد من المشافي في الكونغو وأوغندا وصول المساعدات من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ومنظمة الصحة العالمية، والمنظمات الإنسانية. وقال الدكتور هربرت لوسواتا، الذي يعمل في مشفى «بويرا» في كاسيسي بأوغندا بالقرب من الحدود مع الكونغو، إن مكان عمله لا يملك ما يكفي من الأقنعة فئة «إن 95»، والقفازات والملابس الأخرى الضرورية للعاملين في مجال مكافحة هذه الأوبئة. وأضاف: «نحن خائفون للغاية من الإصابة بالمرض، إذ إن ظروف العمل ليست آمنة».

أما الرئيس السابق للجمعية الطبية الأوغندية، لو سواتا، فكشف أنه على علم ببعض المتعاقدين السابقين مع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الذين يتطوعون بخدماتهم، لكنهم غير متأكدين من موعد حصولهم على أجورهم أو حتى ما إذا كانوا سيحصلون عليها أصلاً.

وأضاف أنه حتى الآن لم يزر خبراء الصحة التابعون لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها مستشفاه على الرغم من وصولهم السريع خلال تفشيات سابقة للمرض.

عن «إن بي إس نيوز»


اكتشاف الفيروس وغياب معدات الفحص

العديد من المشافي في الكونغو وأوغندا تنتظر وصول المساعدات الطبية. أ.ف.ب

تعود أول حالة مشتبه بها في تفشي «إيبولا» إلى ما يقارب الشهر، حيث أبلغ أحد العاملين في المجال الصحي عن أعراض تتوافق مع أعراض «إيبولا» في 24 أبريل الماضي، ومع ذلك لم يتمكن مسؤولو الصحة المحليون من تحديد سلالة الفيروس إلا بعد ثلاثة أسابيع. وأكد تحليل مخبري أُجري في 15 مايو الجاري أنه فيروس «بونديبوجيو»، وهو نوع نادر من «إيبولا» لا يوجد له لقاح أو علاج معتمد.

وقال المسؤولون الكونغوليون لوكالة «رويترز» للأنباء، إن مختبراً في مقاطعة «إيتوري» لم يكن يمتلك المعدات اللازمة لفحص عينات الدم للكشف عن مرض «بونديبوجيو»، فقام بتجميد العينات بدلاً من إرسالها إلى مختبر آخر على الفور. وذكرت «رويترز» أن المختبر قام لاحقاً بشحن العينات إلى «كينشاسا»، ولكن بدرجة حرارة وكميات غير مناسبة، ما زاد من صعوبة تحليلها.

تويتر