الثورة السياسية التي تجتاح الغرب الأوروبي ليست «اقتصادية» في جوهرها

بريطانيا وألمانيا تدفعان ثمن التشخيص الخاطئ لقضايا الهوية والسيادة والانتماء

صورة

يريد وزير الصحة البريطاني المستقيل، ويس ستريتينغ، إعادة بريطانيا إلى أحضان الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل تقريبها منه بما يكفي لكن دون الالتزام التام.

وبطبيعة الحال، فإن بروكسل سعيدة بذلك، فها هو أخيراً وزير بريطاني رفيع المستوى يتحدث لغة التوافق التنظيمي والتقارب مع السوق الموحدة، فالأوروبيين يعتقدون أن «البالغين سياسياً» قد عادوا. ولابد أنهم يفكرون في أن هذا هو أخيراً «ترياق» للسياسيين الشعبويين مثل نايجل فاراج، وروبرت لوي.

لكن حملة ستريتينغ الساحرة تستند إلى افتراض هش للغاية لدرجة أنه بالكاد يصمد أمام الواقع مفاده: أن أحزاباً مثل «إصلاح المملكة المتحدة» يمكن هزيمتها من خلال النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة. وتقول النظرية: «اجعل الناس أكثر ثراء، وسيتوقفون عن التصويت لنايجل فاراج»، لكن الرخاء كمُسكّن سياسي، فكرة مريحة، لكنها أيضاً خاطئة تماماً.

ثورة هوية وانتماء

الثورة السياسية التي تجتاح الغرب ليست، في جوهرها، ثورة اقتصادية. إنها ثورة الهوية والسيادة والانتماء: صِدام لن يحله أي قدر من النمو في الناتج المحلي الإجمالي. ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أبداً يتعلق حقاً بالتجارة أو أي شيء من هذا القبيل. أما بالنسبة لملايين الناخبين، فقد كان الأمر يتعلق بمن يحكم بريطانيا ولمصلحة من؟

الاقتصاديون الذين أصروا على قياس كل شيء من حيث الوصول إلى الأسواق أخطأوا الهدف تماماً؛ وما زالوا يخطئونه. والآن، ترتكب الأحزاب الرئيسة في ألمانيا بالضبط الخطأ نفسه. فقد تولى فريدريش ميرتس السلطة، مستشاراً جديداً لألمانيا، واعداً باتخاذ موقف أكثر صرامة. وتحدث عن الحد من الهجرة، وألمح إلى التحديات الثقافية. وللحظة وجيزة، بدا كأن «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» قد يتعامل فعلاً مع القضايا التي دفعت صعود «حزب البديل من أجل ألمانيا». ثم شكل ائتلافاً مع الاشتراكيين الديمقراطيين، وتولى منصبه، وعاد إلى نمطه المعتاد. وأصبحت رئاسة ميرتس، وبسرعة، مُحبطة، استمراراً للإدارة البيروقراطية في عهد المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، ولكن ببعض التفاصيل المختلفة.

تشخيص خاطئ

تتطابق نظرية عمل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» مع نظرية وزير الصحة البريطاني المستقيل، ويس ستريتينغ: «أصلح الاقتصاد، وسيتراجع الشعبويون. حرك النمو، وخفض تكاليف الطاقة، واستعد القدرة التنافسية الصناعية الألمانية، وسيعود الناخبون إلى رشدهم». و«حزب البديل من أجل ألمانيا»، في هذا التفسير، هو حُمّى ستزول بمجرد أن يشعر المريض بالتحسن.

وهذا تشخيص خاطئ وكارثي، فـ«حزب البديل» لا يرتفع في التأييد الشعبي لأن الألمان لا يستطيعون شراء مطبخ جديد؛ إنه يرتفع لأن ملايين الألمان يشعرون أن بلدهم يتحول، ودون موافقتهم، بسبب الهجرة غير المنضبطة، وبسبب التحول في مجال الطاقة الذي دمر المناطق الصناعية، وبسبب طبقة سياسية تعامل المعارضة على أنها جريمة.

الثورة الخضراء، التي نُفذت بالدقة التي تميز الألمان، لم تقتصر على رفع أسعار الكهرباء فحسب، بل قضت على نموذج صناعي كان يشكل أساس الثقة بالنفس على الصعيد الوطني. لذا، عندما تنقل شركة «باسف» إنتاجها إلى الصين، فإن الأمر لا يقتصر على مجرد قرار مؤسسي، بل هو رمز لـ«فوضى عارمة».

الهجرة والهوية

فيما يتعلق بقضية الهجرة، لايزال «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» يفتقر إلى إجابة مقنعة. واتخذ ميرتس موقفاً متشدداً عندما كان في المعارضة، بينما يتخذ موقفاً متساهلاً وهو في الحكم، ضمن الائتلاف. والنتيجة هي أسوأ ما في الحالتين: فهو يُنفر الناخبين الليبراليين دون أن يقنع الناخبين المحافظين. أما «حزب البديل من أجل ألمانيا»، فيقدم شيئاً لا يستطيع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي تقديمه وهو: الوضوح.

قد يكون هذا الوضوح من النوع الغريب نوعاً ما؛ لكن في عالم السياسة، غالباً ما تتفوق الإجابة الخاطئة الواضحة على الإجابة الصحيحة الملتبسة.

أما يسار الوسط الأوروبي فيواجه مشكلة أعمق من ذلك. ولعقود طويلة كانت سياسات الهوية احتكاراً له، حيث كانت سياسات الاعتراف، وحقوق الأقليات والتغيير الاجتماعي التقدمي هي السائدة، ولكن الهوية الآن تسير في الاتجاه المعاكس.

سياسات الهوية الجديدة وطنية وليست عالمية. إنها تتعلق بالحدود، وليس بإلغائها. وتتعلق بالاستمرارية الثقافية، وليس بإعادة الابتكار الدائم. ولا يملك «يسار الوسط» مفردات للتعبير عن هذا. ولا يمكنه سوى التنديد، وبذلك يتراجع أكثر فأكثر. وهنا يجب أن تكون الفوضى الحالية في بريطانيا بمثابة تحذير لألمانيا.

تجاهل المحافظون التيارات الثقافية الخفية التي أدت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليقعوا في نهاية المطاف فريسة لها. ويحكم حزب العمال الآن بلداً تحدد فيه حركة «إصلاح المملكة المتحدة» وتيرة النقاش السياسي حول الهجرة والهوية الوطنية، في حين أن رد ستريتينغ (الوزير المستقيل) يتمثل في التراجع قليلاً نحو بروكسل؛ وكأن الاضطرابات كلها كانت مجرد سوء تفاهم كان من الممكن تجنبه بـ«إدارة اقتصادية أفضل».

في غضون ذلك، يراهن الوسطيون في ألمانيا على الرهان نفسه. فهم يعتقدون أن الاقتصاد المتنامي وبعض الإيماءات الرمزية بشأن أمن الحدود ستكون كافية. ولكنهم مخطئون، فالناخبون لا يريدون الرخاء فحسب، بل يريدون أن يعرفوا إلى أين يتجه بلدهم؟ وما هي الاستراتيجية؟ ويريدون قادة صادقين بما يكفي ليقولوا ذلك.

وإلى أن يجد «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» إجابة على هذا السؤال، سيستمر «حزب البديل من أجل ألمانيا» في طرحه نيابة عنهم، وسيتفوق عليهم في استطلاعات الرأي.

عن «ذا سبكتايتور»

تويتر