المرصد

المرصد.. «أنا أدفع - أنت تنشر»

اتخذ مجلس تحرير صحيفة «واشنطن بوست» قراراً، الأسبوع الماضي، بنشر إعلان مدفوع الأجر على صفحة كاملة للمواطن الأميركي لورانس جيلمان، يقول فيه إن «الانتخابات الأميركية الأخيرة مزوّرة، وترامب هو الفائز».

القرار اتخذ بعد جدل عنيف داخل مجلس التحرير في «واشنطن بوست» المعروفة بموقفها المعارض بقوة لترامب، ولنشرها المتواصل لقصص موثقة تؤكد سلامة هذه الانتخابات، وأيضاً لتمسكها الدقيق بأخلاقيات المهنة، مثال ذلك مقالها التاريخي «لماذا لم ننشر الرسوم المسيئة» في بدء أزمة تشارلي أبدو، ومن ثم كان طبيعياً أن يثور الجدل، هل من الديمقراطية نشر إعلان قد يؤذي الديمقراطية، وعملية الانتقال السلمي للسلطة؟ أم أن وجهة النظر الأخرى أياً كان تهافتها وضعف حجتها، وربما خطورتها المحتملة ومعاداتها لإجماع مؤسسي، من حقها أن تمثل؟

لهذه الأسباب مجتمعة، سارعت «واشنطن بوست»، بعد نشر المقال - الإعلان، إلى نشر بيان للرأي العام، أوضحت فيه تفصيلاً موقفها، وختمته بالقول: «إننا على امتداد تاريخنا قبلنا إعلانات من أفراد تحبذ وجهة نظر معينة، وهذا الإعلان مثل غيره يعطي مساحة عريضة للمواطن الأميركي للتعبير عن نفسه طبقاً للتعديل الأول، ونحن صنفنا المكتوب بوضوح بوصفه إعلاناً، كما كشفنا بشفافية اسم من دفع ثمنه».

لكن هذا البيان، على تحديده الواضح، لم يشفِ غليل الأميركيين.

فالمحلل والخبير الإعلامي في «بوينتر»، توم جونز، كتب معلقاً «إنه لم يكن لديه مانع أن يقرأ المقال الذي كتبه جيلمان كرسالة في بريد القراء، أو رسالة الى المحرر، أما نشرها كإعلان مدفوع الأجر، مقابل مال، يلقي بظلال الشك على الديمقراطية الأميركية».

أما الصحافية الأميركية اميلي أتكين فقد مضت خطوة أبعد من ذلك، ونشرت مقالاً بعنوان «الرجل الذي ينشر الأكاذيب في واشنطن بوست»، كشفت فيه أن «هذا الرجل نفسه نشر إعلاناً في الصحيفة شكك فيه في التغيير المناخي، وإعلاناً آخر قال فيه ان (كوفيد-19) صنعته الصين، وقد دفع في كل واحد من الإعلانين 25 ألف دولار».

الأكثر من هذا، ان أتكين، ديمقراطية، اتصلت بالرجل وأجرت معه حواراً تفنّد فيه مقالاته، وإعمالاً لحرية التعبير، واستناداً الى «التعديل الأول» أيضاً - قررت من طرف واحد نشر الحوار كاملاً تحت مقالها.

انتهى عند هذا الحد هذا الفصل المثير من التجاذب الصحافي، لكنه وبانتظار تداعياته، يلح السؤال، هل ما يجري هذا اعتيادي أم أن الزلزال الذي أحدثه ترامب تشكيكاً في بديهيات الديمقراطية الأميركية لم يعد قاصراً على العملية الانتخابية، وامتد إلى مفاهيم كانت مستقرة ومقدسة، من بينها الحدود الفاصلة بين حرية التعبير، وحرية البنكنوت في التجرؤ على الحقائق؟!


- الزلزال الذي أحدثه ترامب تشكيكاً في بديهيات الديمقراطية الأميركية لم يعد قاصراً على العملية الانتخابية.

طباعة