بين الإنفلونزا الإسبانية 1918.. وجائحة «كورونا» 2020

الفقراء والأكثر ضعفاً هم من يتحملون وزر الأوبئة عبر التاريخ

صورة

تُظهر الدراسات التاريخية أن الجهود المبذولة للقضاء على «الإنفلونزا الإسبانية»، من خلال إزالة الأحياء ذات الدخل المنخفض في مدينة البحر الأبيض المتوسط، ربما ساعدت في انتشار المرض بشكل أكبر. كان ذلك في أكتوبر 1918، عندما بلغت الموجة الثانية لما يسمى «الإنفلونزا الإسبانية» ذروتها، وهي أكبر جائحة في القرن العشرين تقضي على أكثر من 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. واستنفدت الجائحة في موجتها الثانية موارد جميع البلديات في أنحاء إسبانيا إلى أقصى حد، وتضررت منطقة البحر الأبيض المتوسط بشكل خاص.

واضطر رئيس بلدية مدينة أليكانتي، أنطونيو بونو لوك، لعقد جلسة استثنائية لمجلس المدينة في 14 أكتوبر، لطلب المساعدة من الحاكم المدني، خوسيه ماريا كاباليرو، الذي يمثل السلطة السياسية للحكومة في المحافظة. وشرح العمدة خطته لمكافحة الوباء، الذي أطلق عليه اسم «الإنفلونزا الإسبانية»، رغم أن مصدره لم يكن في إسبانيا. كان بحاجة إلى المال لشراء معدات الرعاية الصحية. لكنه أراد، أيضاً، إزالة أجزاء من أفقر ثلاثة أحياء بالمدينة ونقل السكان لمكان آخر. وهذا الإجراء، الذي تم تنفيذه بشكل فعال، ساعد في نهاية المطاف على انتشار الفيروس بشكل أكبر.

وتظهر سجلات جلسة المجلس، والمحفوظة في أرشيف بلدية أليكانتي، أن بونو ذكر ما يلي: «الأماكن التي حدثت فيها معظم الوفيات ولاتزال مستمرة، هي الأجزاء من المدينة التي يوجد فيها أقل قدر من الصحة العامة والنظافة». وقال إن هذه البؤر الساخنة للمرض توجد في الأماكن التي يفتقر فيها السكن إلى العناصر الأساسية، وهي تلك الأكواخ عند سفح قلعة سانتا باربرا، حيث يعيش الناس في ظروف مزدحمة وبائسة تسبب أضراراً بالصحة العامة.

وكان العمدة يقصد حي لاس بروفينسياس، وهو مجموعة من المنازل التي تتشبث بمنحدرات جبل بيناكانتيل، الذي يستقر بوسط مدينة أليكانتي أوائل القرن العشرين.

واقترح بونو اتخاذ إجراءات بشأن حي لاس بروفينسياس، وأجزاء من أحياء الكارمن واربال رويغ، التي وصفها بأنها تمثل التجمعات الرئيسة للإنفلونزا في المدينة. واقترح، أيضاً، استحداث أماكن لإيواء أي شخص يصبح بلا مأوى بسبب هذه التدابير الصحية. ومنذ ذلك الحين، اختفى حي لاس بروفينسياس ليس فقط مادياً، ولكن أيضاً من الذاكرة الجماعية لمدينة أليكانتي الحديثة. ولكن لايزال الحيان الآخران قائمين.

تقول أستاذة تاريخ العلوم في جامعة كاستيلا لامانشا، ماريا إيزابيل بوراس: «كان أمراً عادياً أن يتحمل الأشخاص الأكثر ضعفاً وزر انتشار الوباء»، خلال جائحة الإنفلونزا عام 1918. وتضيف: «الأوبئة لا تؤثر أبداً في الجميع بالتساوي، دائماً يقع التأثير الأكبر على الأشخاص ذوي الموارد الأقل، والذين يعانون سوء التغذية، ويعيشون في أماكن مزدحمة وضيقة».

وتقول بوراس هناك قصص مشتركة بين جائحة «كوفيد-19»، و«الإنفلونزا الإسبانية»، عندما تم «إغلاق بعض أحياء مدريد»، في إشارة إلى المناطق ذات الدخل المنخفض المكتظة بالسكان جنوب العاصمة الإسبانية في سبتمبر. وتؤكد أن خطة عام 1918 لتعقيم المناطق الفقيرة في أليكانتي أجبرت السكان على مغادرة المنطقة. «وفي كثير من الحالات أعيد توطينهم، ما أدى إلى تشتت الأسر، وأعيد عمال من المناطق التي يعملون بها إلى مدنهم الأصلية».

وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فإن أوجه الشبه بين الجائحتين واضحة للغاية، كما تقول بوراس: «إنه الشعور بأننا نواجه دائماً الشيء نفسه، والمعضلة نفسها، بين الاقتصاد والصحة». وتضيف: «في عام 1918، طلبت السلطات المحلية مساعدات مالية وقروضاً، وتم تفعيل بنوك الطعام للمحتاجين، وكما نلاحظ اليوم فإننا نلجأ لخطط الاحتفاظ بالوظائف، ونرى للأسف خطوط الطعام مرة أخرى». وتختتم بقولها: «لكن هناك اختلاف جوهري واحد فقط، في عام 1918، كان الأشخاص في سن العمل هم الذين ماتوا بأعداد أكبر، لذا كان التأثير في النشاط الاقتصادي أكبر حتى من تأثير الإغلاق في الربيع الماضي».


• الأوبئة لا تؤثر أبداً في الجميع بالتساوي، دائماً يقع التأثير الأكبر على الأشخاص ذوي الموارد الأقل، والذين يعانون سوء التغذية، ويعيشون في أماكن مزدحمة وضيقة.

• خطة عام 1918 لتعقيم المناطق الفقيرة في أليكانتي أجبر السكان على مغادرة المنطقة. وفي كثير من الحالات أعيد توطينهم، ما أدى إلى تشتت الأسر، وأعيد عمال من المناطق التي يعملون بها إلى مدنهم الأصلية.

طباعة