المرصد

قناة ترامب التلفزيونية

قرّر الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب أن لا يحرم العالم من حضوره الدرامي الصاخب دائماً، والممتع أحياناً، حال تسليمه للسلطة، إنشاء قناة تلفزيونية خاصة به، يقدم فيها رحيق أفكاره، بحسب تصريح الإعلامي المقرب من ترامب، مايك مولفاني، لموقع «تشيك بوينت».

قرار ترامب، كالعادة، مثير للتساؤلات.

فالرئيس المنتهية ولايته يملك دعم قناة «فوكس نيوز» ذات الـ17 مليون مشترك، ويملك ما هو أهم من القناة، وهو دعم صاحبها الفعلي إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ، والذي يملك بجانب القناة «نيويورك بوست» و«وول ستريت جورنال»، ويملك اضافة الى هذا وذاك وسيلته الإعلامية المفضلة «تويتر»، فما الذي يدخله هذا العالم المضطرب.

يصعب في الوقت الراهن تحديد العوامل التي حدت بترامب الى التفكير في هذا الاتجاه، هل هو الثأر من وسائل الإعلام هذه التي لم تتوانَ واحدة منها باستثناء «مجموعة مردوخ»، عن الهجوم عليه بلا رحمة، من لحظة توليه السلطة الى لحظة ترجيح فوز بايدن، أم الشعور بالألم والمهانة حين قطعت عنه هذه الوسائل مجتمعة تغطية بث خطابه، أم أن الأمر أبعد كثيراً من ذلك، وتتعلق بمشروع ولد ولن يموت اسمه «الترامبية» يحتاج الى منصة إعلامية تبقيه سياسياً، بعد أن هُزم انتخابياً.

يرجح معظم المحللين أن تكون الفرضية الأخيرة هي الإجابة.

فالنظرة العابرة إلى مسيرة مناصرة ترامب الكبرى، التي انطلقت منذ السبت الماضي تحت اسم «مليونية جعل أميركا عظيمة من جديد»، تكشف أن «الترامبية» لم ولن تكون موالاة لزعيم، أو مجرد ميل شعبوي عابر، وإنما هي نقطة التقاء تيارات ومنظمات يمينية وقومية بيضاء، وحركات فاشية ومعادية للسود والمسلمين والأقليات، يؤكد ذلك، حسبما أظهر التقرير الذي نشرته «واشنطن بوست» في 12 نوفمبر الجاري، طبيعة الأسماء التي تقود المسيرة، مثل الإعلامي في قناة «فوكس نيوز» شون هانيتي، ومنسق جماعة «الأولاد الفخورين»، إنريك تاريو، والمحرض اليميني على صفحات التواصل، نيكولاس فيونيتش.ويمكن أن نضيف هنا معطى آخر لمسه الجميع خلال المعركة الانتخابية الأخيرة، يؤكد الفرضية السابقة، وهو أن ترامب فاز بالنقاط وليس بالأهداف، بلغة الرياضة، بمعنى أن «الترامبية» رغم كل ما استثارته من نقد وسخرية، مازالت تحوز عقول وقلوب نسبة معتبرة من الأميركيين.

ويبدو أن ترامب الذي أدرك هذا كله، وأدرك أن لا أحد يمكنه أن يعبر عن ترامب سوى ترامب نفسه، خصوصاً بعد أن سعت (فوكس نيوز) إلى شيء من الحياد، والالتزام بتقاليد الديمقراطية الأميركية بعد إعلان النتائج، وبعدما تردد عن خلافات داخل عائلة مردوخ بسبب الموقف الانتخابي، قرر- أي ترامب - ولوج عالم الإعلام بشخصه، امتداداً لتطبيق طريقته المعتادة في «البزنس» والسياسة.

الأرجح إذا مضت الأمور على هذه الوتيرة، فإن «الترامبية» لن تنسحب من حياتنا، وسيشهد العالم لسنوات طويلة معارك ليست سهلة بين رافدين في السياسة الأميركية، وسيستمتع رغم خطورة ما سيشهد، بأداء مسرحي لن تنتهي مفاجآته.

طباعة