لا تتساهل أبداً مع المخالفين

عصابات المخدرات في كولومبيا تستغل «كورونا» لفرض سيطرتها المطلقة

الجنود الكولومبيون انسحبوا من المدن ليحل محلهم عناصر العصابات. أرشيفية

تبنت الجماعات المسلحة في كولومبيا مستويات جديدة من السيطرة، أثناء تفشي الفيروس التاجي الجديد، من خلال فرض إجراءات إغلاق مشددة، مع عقوبات صارمة على المخالفين. وفي مدينة توماكو الساحلية، وهي مركز لتهريب المخدرات في جنوب غرب كولومبيا، وزع رجال العصابات منشورات، تعلن جميع منتهكي حظر التجول «أهدافاً عسكرية». وفي تحذير للجميع، تعرضت سيارة إسعاف، استجابت لمكالمة بعد بدء حظر التجول، في أوائل مايو، لإطلاق نار، وقُتل سائقها والمريض الذي كان على متنها.

وتروي لورينا باريديس، وهي محامية تبلغ من العمر 28 عاماً، كيف أصابها رجال مسلحون بثلاث رصاصات في ساقها، عندما كانت عائدة إلى بيتها في وقت متأخر من الليل، ولم تحصل على المساعدة، لأنه لا أحد يجرؤ على ذلك، في فترة الحظر. وتستخدم عصابات المخدرات الوباء لتعزيز السيطرة على أجزاء من البلاد، التي عاشت عقوداً من الصراع المسلح. وتُظهر المنافسة العنيفة المتزايدة قوة الوباء لتعميق التحديات المجتمعية، الموجودة أصلاً، وتخفيف قبضة الحكومة في هذا البلد الهش.

وقالت مديرة «مكتب واشنطن لشؤون أميركا اللاتينية»، جيمينا سانشيز جارزولي، «هذه ليست مشكلة صحية بالنسبة لهذه المجموعات»، متابعة «إنها تتعلق بممارسة السيطرة الاجتماعية على السكان».

إجراءات وحشية

في الوقت الذي تركز فيه حكومة الرئيس، إيفان دوكي، على تفاقم تفشي فيروس «كورونا»، تخدم الإجراءات الوحشية التي تفرضها الجماعات المسلحة غرضين على الأقل، لتوسيع السيطرة على الطرق والمجتمعات المحلية لممارسة تجارة المخدرات والتعدين غير القانوني، وتعزيز مكانة قادتها كحكام مطلقين لأراضيهم.

وتعكس الظروف هناك اتجاهاً عالمياً للمجموعات المسلحة التي تتحرك لتحل محل الحكومات الضعيفة، خلال الوباء. وقد فرضت حركة «طالبان» في أفغانستان، وكوماندو «فيرميلو» في ريو دي جانيرو، و«إم إس 13» في السلفادور، من بين أمور أخرى، حظر التجوال الخاص بها، وفي بعض الحالات، وزعت الطعام والأقنعة والمطهرات في المناطق التي تسيطر عليها.

لكن الجماعات الكولومبية ميزت نفسها بمستوى العنف، الذي عملت على تنفيذه. ويخشى المراقبون من أنهم يسرعون الانجراف الخطر، بعيداً عن اتفاق السلام، لعام 2016، الذي أنهى الصراع المستمر منذ 52 عاماً، بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك).

ويلقي المنتقدون باللوم على الرئيس دوكي، الذي عارض اتفاق السلام قبل أن يصبح رئيساً، في 2018، لتباطئه في وتيرة إصلاح نظام توزيع الأراضي والجهود المتعثرة لإعادة دمج مقاتلي القوات المسلحة الثورية في المجتمع. ويقولون إن إدارته المحافظة لم تفعل ما يكفي لوقف قتل قادة الجماعات اليسارية والمتمردين السابقين.

تعزيز القبضة

والآن، يعتبر المتمردون الذين حملوا السلاح مرة أخرى، أو الذين لم يلقوا السلاح أبداً، من بين المجموعات التي عززت قبضتها على النقاط الساخنة التي لم تهدأ تماماً. وأفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، هذا الشهر، بأن الجماعات المسلحة فرضت عمليات إغلاق بسبب فيروس «كورونا»، في 11 ولاية، في كولومبيا، من أصل 32، ما أدى إلى وفاة ثمانية أشخاص على الأقل، و10 إصابات منذ بدء تفشي المرض.

وقال الباحث في المنظمة الحقوقية، خوان بابير «أعتقد أنهم قلقون للغاية»، متابعاً «إنهم يعرفون أن المدن التي يعملون فيها ليس لديها مرافق صحية، ولا يوجد بها عدد كبير من الأطباء، وهم يرون أن عمليات الإغلاق هذه تساعد في منحهم بعض الشعور بالشرعية».

ويمكن أن تصل عقوبة انتهاك قواعد الحظر إلى حد الموت. وفي ولاية كاوكا الغربية المضطربة، وثقت «هيومن رايتس ووتش» ست عمليات قتل على أيدي الجماعات المسلحة، لفرض قيود الفيروس التاجي. وشملت إطلاق النار على مُزارع محلي، لأنه انتهك قواعد الإغلاق، من خلال لقاء الأصدقاء في بلدة مجاورة. واستهدفت مجموعة أخرى أربعة مهاجرين فنزويليين، لشربهم الكحول في الأماكن العامة.


ملء الفراغ

في توماكو، أجبر المنشقون من قوات «فارك» عائلة محلية على مغادرة منزلها، لأن اختبار أحد أفرادها كان إيجابياً لفيروس «كورونا». والآن يخاف السكان من إجراء الاختبارات، ويقولون إنه يجب عليهم طلب الإذن حتى للأنشطة الأساسية، مثل التسوق في البقالة. وقالت ليتيسيا، التي رفضت ذكر اسمها الأخير خوفاً من الانتقام «لقد سيطروا عملياً باستخدام الفيروس التاجي». وقال مسؤول أمني يحقق في حادث إطلاق النار على المحامية، لورينا باريديس، إن الجماعات المسلحة تمكنت من ترسيخ قبضتها، لأن الشرطة والجنود النظاميين انسحبوا أثناء تفشي المرض. وقد ملأت هذه الجماعات، على الرغم من خطورة ذلك، الفراغ الذي خلّفته الدولة الغائبة.

فيما تركز حكومة الرئيس إيفان دوكي على تفاقم تفشي فيروس «كورونا»، تخدم الإجراءات الوحشية التي تفرضها الجماعات المسلحة هدف السيطرة على الطرق والمجتمعات المحلية لممارسة تجارة المخدرات.

طباعة