المرصد

«الإعلام والتحرش والاغتصاب»

تتحول تغطيات إعلام الجريمة في وقائع التحرش والاغتصاب أحياناً إلى جريمة كاملة الأركان في حد ذاتها.

وأخيراً، أثارت تغطيات واقعة اعتداء جنسي على طفل سوري في لبنان حالة انتقادية واسعة، بسبب إهمالها الحد الفاصل بين مهمة نقل الخبر وهوس التفنن في استغلاله، للحصول على «الأكثر قراءة»، و«الأكثر مشاهدة»، و«الأكثر مشاركة»، وبقية الأكثريات.

تسابقت صحف عربية عدة في تغطية الواقعة بطريقة إثارية، فخرجت تقارير تحت عناوين من نوع «تفاصيل جديدة في قصة الاعتداء على الطفل»، و«معلومات جديدة صادمة في الاعتداء»، واستنطقت صحف ومواقع إلكترونية قوى سياسية، أو مشاهير، للتكلم عن الحادث، لتنتج «مانشيت» من نوع «الائتلاف الوطني يدين الاعتداء»، أو «كندة علوش تعلق على الاعتداء»، ووصل السبق بإحدى الفضائيات لتنتج حلقة عنوانها «أول إطلالة للطفل السوري المغتصب ووالدته». وهو وصف يصلح لتقديم عودة سياسي أو فنان، وليس طفلاً مغتصباً وأماً مكلومة، بحسب صحيفة إلكترونية عربية.

لاشك أن التجاوزات الصحافية في جرائم الجنس هي استمرار لتجاوزات أوسع في تغطيات الجريمة، أبسطها نشر صحف لصور المجني عليه، أو الخلط بين توصيفات «الموقوف» و«المشتبه فيه» و«المنسوب إليه»، و«المتهم» و«المدان»، وهي توصيفات لها أهميتها، وتصل دقتها في بعض القوانين إلى اعتبار أنه «حتى إدانة شخص في قضية ما ليست مبرراً لإطلاق صفة أبدية عليه، باعتبار حق التوبة».

إن إهدار هذه القواعد الصحافية الواضحة في هذه القضايا، لا يؤدي فقط إلى انتهاك حق المجني عليه الذي ليس بحاجة إلى مزيد من التدمير النفسي، بل إلى انتهاك بحق «الموقوف ربما عن ظلم»، بحسب الخبراء الإعلاميين، خصوصاً أن قضايا التحرش وجرائم الجنس هي من أكثر القضايا التي تحيط بها الالتباسات، كما برهن على ذلك «مشروع البراءة» الحقوقي الأميركي، الذي أطلقه كل من باري شيك ووبيتر نويفيلد منذ عام 1992، واستطاعوا عبره تبرئة عشرات المدانين، ممن كان بعضهم على حبل المشنقة.

الجدل الذي أتاحته تداعيات قضية الطفل السوري، ذكَّر بأن الإعلام ليس قاضياً، ولو افتراضياً، ولا يحق له أن يقيم مستوى موازياً للعدل التخيلي، فهذه ليست قصته، ومهمته التي يجب ألا يتخطاها هي إخبار المجتمع عن نفسه، وفي الحدود التي لا تهدد وصول هذا المجتمع إلى الحقيقة ولا خصوصيات أفراده.


أثارت تغطيات واقعة اعتداء جنسي على طفل سوري في لبنان حالة انتقادية واسعة، بسبب إهمالها الحد الفاصل بين مهمة نقل الخبر وشبق التفنن في استغلاله، للحصول على «الأكثر قراءة».

طباعة