المرصد

    الصحافي الذي ورّط الجميع

    بقدر خطورة مهنة الصحافة، بقدر سهولة التزوير باسمها، خصوصاً إذا كانت الواجهة «مراسل صحافي غربي في الشرق العربي»، وكان المنتحل أشقر، شعره أصفر، وعيونه خضراء وملامحه وسيمة. هذا بالضبط ما فعله الصحافي الألماني السابق بمطبوعة «دير شبيغل»، والحائز 40 جائزة عالمية باسمها كلاس ريلوتيوس، والتي عادت قضيته تتصدر المشهد اخيراً بعد صدور كتاب جديد عنها.

    دخل ريلوتيوس على مخيلة «دير شبيغل»، صاحبة التاريخ العريق الذي يعود الى 1947 والتوزيع الذي يصل الى 700 ألف نسخة شهرياً، بطريقة شديدة الإبهار، فقد عمل فيها لمدة عام تحت التمرين، ولما عرضت عليه المجلة تعيينه وإسناد موقع له، اعتذر بشكل يدعو للإعجاب، حيث زعم أن أخته مصابة بالسرطان، وأن مهمته الأساسية في الحياة ليست العمل أو المال أو الشهرة وإنما رعاية هذه الشقيقة، الأمر الذي جعل المؤسسة كلها تحيطه بمزيج من الاحترام والعطف.

    كشفت «دير شبيغل» أن ريلوتيوس فبرك 14 قصة صحافية، ونظراً إلى أنها توقعت أن هذا فقط ما استطاعت أن تكتشفه «المعاينة الظاهرية»، فقد شكلت لجنة من مختلف الأقسام والتخصصات لفحص كل ما كتب، فوصلت إلى كوارث.

    اختلق ريلوتيوس قصصاً خيالية عن كل شيء خطر بباله، عن «سجين يمني أمضى 14 عاماً في غوانتانامو دون وجه حق»، و«حكاية ناجي من الهولوكوست»، و«انتهاكات في ملجأ بفلوريدا»، وعن «مدينة تصلي من أجل ترامب»، لكن أكثر قصص ريلوتيوس المفبركة كانت عن سورية التي لم يترك خياله شيئاً الا وتصوره فيها، من «الشابين اللذين فجرا التظاهرات ضد بشار الأسد» إلى «الأطفال الذين اختطفهم (داعش) وأعاد تربيتهم ليعيدهم الى أهلهم إرهابيين»، وانتهى الأمر وإغراء اللعبة بريلوتيوس أن يخرج من نطاق الصحافة تماماً، ويجمع تبرعات بآلاف الدولارات بزعم توصيلها للأيتام السوريين، بينما كان هو يوصلها بأمان إلى رقم حسابه الشخصي. إذ حصل على جائزة (مراسل العام) في ألمانيا، في أعوام 2013، و2015، 2016 و2018، كما حصل على جائزة صحافي العام في 2014، وجائزة الصحافة الأوروبية عام 2017، وعلى جائزة قائمة فوربس تحت الثلاثين 2017.تفجرت قصة ريلوتيوس، بعد سبعة أعوام من التحاقه بـ«دير شبيغل»، بفضل شكوك صحافي آخر زميل هو خوان مورينو، الذي شك في تغطية لريلوتيوس، عما يحدث على الحدود المكسيكية الأميركية، فسافر مورينو بنفسه لموقع القصة، وبرهن على فبركتها، وتم إحالة الأمر للتحقيق الإداري ثم الجنائي، وأوقف رئيس ومدير التحرير، وعدد من مسؤولي التحرير في «شبيغل»، وقدمت المجلة اعتذاراً لقرائها من 23 صفحة، وآخر للسفير الأميركي في برلين ريتشارد جرنيل، على ما فبركه ريلوتيوس ضد جرنيل وأميركا.

    لكن المشكلة التي فجرتها القصة للرأي العام الألماني والعالمي، والتي لاتزال مستمرة، ليست في ريلوتيوس الذي ذهب لحال سبيله، وإنما لفقدان الثقة بالنظام الداخلي لمجلة بمكانة «دير شبيغل» وبعشرات الصحف والوسائل الإعلامية التي كان يعمل فيها كصحافي مستقل، والتي عرف بعضها ولم يعرف البعض الآخر، وبالجوائز الصحافية المتنوعة التي حصل عليها ريلوتيوس من أهم وسائل الإعلام والجهات المعتبرة، التي رغم سحب معظمها من ريلوتيوس، إلا أن ما حدث سيشكك بلا شك في صدقيتها وفي آليات منحها.

    لقد شككت «فضيحة ريلوتيوس» الناس في وضعية مؤسسة الصحافة كلها بمجملها في وقت تتلقّى فيه الصحافة الطعنات بأنها «ماكينة الأخبار المزيفة» في الغرب، سواء من قبل حزب «البديل لألمانيا»، أو من قبل مجمل اليمين المتطرف، بل حتى من قبل شخص تقول خانة وظيفته إنه «رئيس الولايات المتحدة الأميركية».

    طباعة