استجاب لاستغاثة زورق شارف على الغرق

    صياد صقلي يعرّض نفسه للسجن والغرامة لإنقاذ مهاجرين غير شرعيين

    صورة

    أواخر الشهر الماضي، أثناء رحلة صيد ليلية قبالة ساحل ليبيا، سمع قائد زورق الصيد، كارلو جيارتانو، صرخات يائسة تطلب المساعدة، كانت تلك صرخات 50 مهاجراً غير شرعي على متن زورق نفد منه الوقود وبدأت المياه تتسرب الى داخله. لم يفكر هذا الرجل الصقلي، البالغ من العمر 36 عاماً، مرتين، فقدم على توّه للمهاجرين كل ما لديه من طعام وشراب. وبينما اتصل بوالده غاسبير في البر لتنسيق جهود الإغاثة، انتظر كارلو نحو 24 ساعة حتى وصلت سفينة خفر السواحل الإيطالية ونقلت المهاجرين في النهاية إلى صقلية. مثل هذا العمل كان من المحتمل أن يودي به في غياهب السجون أو مواجهة غرامة طائلة، لكنه لم يكترث أمام هذا النداء الإنساني.

    انتشرت أخبار كارلو في جميع أنحاء العالم، لم يكن كريماً ولطيفاً فقط وإنما كان شجاعاً. ومنذ أن أغلق وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، الموانئ الإيطالية في وجه سفن إنقاذ المهاجرين، كان كل من هذا الكابتن ووالده يدركان أن مثل هذا الفعل يمكن أن يتسبب لهما في غرامة أو سجن طويل الأمد. لكنهما يقولان إنهما إذا واجها الموقف نفسه مرة أخرى، فإنهما سيفعلان ذلك مراراً وتكراراً.

    إنقاذ الأرواح

    يقول كارلو، الذي ظلت أسرته تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط منذ أربعة أجيال: «لن يعود أي بحار إلى الميناء دون أن يتأكد بأنه أنقذ تلك الأرواح»، ويمضي قائلاً: «إذا تجاهلت تلك الصرخات التي تطلب المساعدة، فلن يكون لدي أي جرأة بعد ذلك لمواجهة البحر مرة أخرى». في يونيو أقرت روما مشروع قانون جديداً، أعده سالفيني مرة أخرى، والذي يعاقب قوارب الإنقاذ التابعة لمنظمة غير حكومية تنقل المهاجرين إلى إيطاليا دون إذن بغرامات تصل إلى 50 ألف يورو، مع احتمال سجن أفراد الطاقم.

    يقول: «سأكذب إذا قلت إنني لا أدرك بأن مثل هذا العمل سينتهي بي في السجن عندما رأيت أن هذا الزورق في ضائقة». ويمضي قائلاً: «لكنني في الوقت نفسه أعرف تماماً أن تعذيب الضمير هو أسوأ من السجن، كنت سأظل مسكوناً بالهواجس حتى موتي، وربما حتى بعده، عندما اتذكر أولئك الذين يصرخون يائسين طلباً للمساعدة». كانت الساعة الثالثة صباحاً عندما قام جياراتانو وطاقمه بتحديد موقع الزورق في المياه بين مالطا وليبيا، كان المهاجرون قد غادروا ليبيا في اليوم السابق، لكن زورقهم واجه صعوبة كبيرة.

    الحاجة إلى الطعام

    يقول كارلو: «ألقينا إليهم سطلاً لشطف الماء من قاربهم، كان لدينا القليل من الطعام والماء، لكنهم كانوا في حاجة إليها أكثر منا»، ويمضي قائلاً: «ثم أبلغنا السلطات، أخبرتهم بأنني لن أغادر المكان حتى يغادر آخر مهاجر آمناً، هذا ما نفعله نحن البحارة، إذا كان هناك أشخاص في خطر في البحر، فإننا نقوم بإنقاذهم دون أن نسأل من أين أتوا أو ما لون بشرتهم».

    كانت مالطا هي أقرب بلد في الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمهاجرين، ولكن يبدو أن خفر السواحل المالطي لم يستجب لنداء الاستغاثة، مرت ساعات وأصبحت الحرارة لا تطاق، وفي البر طلب غاسبير من كارلو الانتظار ريثما يتصل بالصحافة، لم يكن يفكر فقط في إنقاذ الناس فحسب، بل كان أيضاً يعمل لحماية ابنه.

    يقول: «أتساءل عما إذا كان أحد سياسيينا قد سمع صرخات يائسة تطلب المساعدة في أعالي البحار في هذا الليل البهيم ماذا كانوا سيفعلون؟». وصل قارب دورية خفر السواحل الإيطالي بعد نحو 24 ساعة وتم نقل المهاجرين إلى صقلية، حيث غادروا بعد بضعة أيام. يقول كارلو: «لم يكن لديهم سترات نجاة ولا طعام، لقد نفد الوقود وكاد قاربهم أن يغرق خلال بضع ساعات، إذا قرر شخص عبور البحر في هذه الظروف، فإنه لا محالة ذاهب للموت». وصل كارلو إلى شاكا في اليوم التالي، واستقبله الأهالي من سكان المدينة ومن الصحافة الإيطالية استقبال الأبطال. كان غاسبير هناك أيضاً، متحمساً لاحتضان ابنه. يقول إنه لا يريد أن يكون بطلاً، لقد كان يؤدي واجبه فقط. ويختتم حديثه قائلاً: «عندما استقر المهاجرون بأمان على متن سفينة خفر السواحل، التفتوا جميعاً إلينا في بادرة من الامتنان وأيديهم على قلوبهم. هذه هي الصورة هي التي سأحملها معي بقية حياتي، والتي ستساعدني على مواجهة البحر كل يوم دون أن أشعر بالأسف».

    • أخبار كارلو انتشرت في جميع أنحاء العالم إذ لم يكن كريماً ولطيفاً فقط وإنما كان شجاعاً.

    طباعة