المرصد

أساليب القمع في الفضاء الافتراضي.. إفريقيا مثالاً

تم تصميم الإنترنت، ووسائل الإعلام الاجتماعية على وجه الخصوص، بشكل فريد لتعزيز حرية التعبير، لدرجة أن جميع المحاكم تعترف بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي «أهم الأماكن» للتعبير عن وجهات النظر والتشارك. ومثلنا تماماً، قامت الهيئات الحكومية والمسؤولون بإنشاء وسائل تواصل اجتماعي خاصة بهم، واستخدامها للتواصل المباشر مع الأشخاص والجمهور على نطاق لم يسمع به أحد من قبل، لكن بعض المسؤولين الحكوميين، سعياً منهم لتكميم أفواه المنتقدين، يستخدمون هذه الصفحات كأداة للرقابة، وليس كأداة للتواصل مع الجمهور.

ولحسن الحظ، تتدخل المحاكم للتأكيد على أن الحماية الممنوحة منذ وقت طويل للتعبير في العالم الحقيقي تنطبق أيضاً على العالم الافتراضي. في القضية الأكثر شهرة، وجدت محكمة في نيويورك أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عندما يحظر منتقديه على «تويتر» فإنه ينتهك التعديل الأول من الدستور، لأنه يميز ضد بعض وجهات النظر (معظمهم من النقاد)، ويمنعهم من المشاركة في النقاش على صفحته على «تويتر». وتم استئناف هذه القضية، في الوقت الذي قضت فيه محكمتان استئنافيتان اتحاديتان في قضايا منفصلة بأن التمييز بين وجهات النظر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الحكومية غير قانوني.

الأمر مختلف تماماً في دول العالم الثالث، حيث تستطيع الجهات المتنفذة قطع خدمات الإنترنت تماماً دون سابق إنذار، ودون أن تجد من يحاسبها، وتفعل ذلك تحت مبرر حماية البلاد من المخاطر. وفي إفريقيا لا يعتبر إغلاق الإنترنت أمراً جديداً، لكنه أصبح أداة شائعة بشكل متزايد بين الحكومات المستبدة، التي تريد السيطرة على مواطنيها واستباق التهديدات السياسية، ونظراً لأن المزيد يعتمدون بشكل حصري على الإنترنت للتواصل وممارسة الأعمال التجارية، فإن الحكومات الاستبدادية تزيد من جهودها لرصد ومراقبة الفضاء الإلكتروني.

حدث ذلك ومازال يحدث في السودان، الذي ظل يعاني انقطاع خدمات الإنترنت منذ الخامس من هذا الشهر، تحت مبرر أن هذه الوسائل تشكل تهديداً لأمن البلاد. ويقول المجلس العسكري الحاكم إنه لن يعيد هذه الخدمات في المستقبل القريب. وفي تشاد يتم حظر منصات وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من عام، ما يجعلها أطول فترة انقطاع لوسائل الإنترنت يشهدها بلد إفريقي. وتأتي في المرتبة الثالثة الكاميرون، حيث استمر الانقطاع 230 يوماً.

في 28 مارس 2018، قطعت حكومة تشاد فجأة مواقع التواصل الاجتماعي، مثل «فيس بوك»، وتطبيقات المراسلة مثل «واتس أب»، عندما أمر منظم الاتصالات في تشاد مقدمي خدمات الهاتف المحمول بحظر الخدمة عن الجمهور، وألقى مزودو الخدمات باللوم على المشكلات الفنية.

هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها حكومة تشاد فرض الرقابة على الإنترنت. وبدأ انقطاع الخدمة في عام 2016، بعد إعادة انتخاب الرئيس إدريس ديبي. كما حدث هذا الانقطاع بعد شهرين من قمع تظاهرات بعنف، إثر اغتصاب عصابة لفتاة تشادية، واستمر هذا الانقطاع أكثر من 10 أشهر. في عام 2018 حدث الانقطاع الأخير بعد التغييرات الدستورية التي سمحت لديبي بأن يبقى رئيساً حتى عام 2033.

لا تقتصر المشكلة على تشاد فقط، فقد أبدت بعض الحكومات الإفريقية براعة في تكتيكاتها لحجب خدمات التواصل الاجتماعي. مثلاً، في أعقاب الانتخابات الرئاسية عام 2016 في الغابون، التي صاحبتها موجة من العنف، تم إغلاق الإنترنت تماماً لمدة أربعة أيام، أعقبه «حظر تجوال» على الإنترنت. كما أنشأت حكومة زيمبابوي وزارة للأمن السيبراني، لتتبع وسائل التواصل الاجتماعي بشدة.


لحسن الحظ، تتدخل المحاكم للتأكيد على أن الحماية الممنوحة منذ وقت طويل للتعبير في العالم الحقيقي تنطبق أيضاً على العالم الافتراضي.

طباعة