تجارة سرقة الأطفال تقلقهم منذ عهد فرانكو

إسبان يشكّكون في علاقة الدم مع أسرهم

التبنّي غير الشرعي أضرّ بالنسيج الاجتماعي الإسباني. أرشيفية

تركت تجارة الأطفال التي راجت في إسبانيا خلال عهد الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو مئات المواطنين الإسبان في حالة شك في علاقة الدم التي تربطهم مع أسرهم، ويتساءل البعض منهم ما إذا كان طفله قد مات في المستشفى أو سرق منه، ويتعجب البعض الآخر: هل من أعيش معهما الآن هما فعلاً والداي الحقيقيان؟ أم انني ابنهما بالتبني؟ أم أنهما ابتاعاني من أحد الاطباء؟

جرائم خطف

استطاعت إحدى الجمعيات والتي يطلق عليها (الجمعية الوطنية للاشخاص المتأثرين بالتبني غير الشرعي) أن تحشد عدداً من الاشخاص الذين يعتقدون بانه تم تبنيهم بشكل غير شرعي، حيث قدم هؤلاء الاشخاص شكوى جنائية لدى النائب العام الاسباني يطالبونه فيها بالتحقيق في جرائم خطف مزعومة جرت خلال عهد فرانكو وامتدت حتى الثمانينات من القرن الماضي. وتدّعي هذه الجمعية أن لديها ما يثبت أن 261 طفلاً تم اختطافهم في اسبانيا خلال هذه الفترة، وتطالب الجمعية المدعي العام بان يجري تحقيقاً حتى يستطيع هؤلاء الاشخاص معرفة آبائهم الحقيقيين.

ويقول محامي الجمعية، إنريك فيلا: «مع الوقت سيتكشف لدينا المزيد من مثل هذه الحالات لنضيفها الى قائمة المدّعين».

ويشير أحد البحوث التي أجراها المؤرخ ريتشارد فانيس، إضافة الى التحقيقات التي أجراها القاضي بالتسار غارثون، إلى سرقة العديد من الاطفال في اسبانيا، وتتضمن التحقيقات شهادات قدمتها أمهات من خلفيات اجتماعية مختلفة واللاتي ادّعين بان مستشفيات وجهات رسمية اخبرتهن زوراً بان اطفالهن ماتوا خلال الولادة، وتم دفنهم قبل ان يرينهم».

وكشف البحث والتحقيق عن تجارة أطفال بدأت خلال العام الاول من عهد فرانكو في السلطة أوائل اربعينات القرن الماضي، وانتهت بعد ثلاثة عقود من نهاية عهده، بعد أن أخذت الديمقراطية تخطو خطواتها الاولى بعد وفاته.

سرقة

بدأت تجارة الأطفال تلك نوعاً من الانتقام السياسي ضد النساء اللاتي يؤازرن الجمهوريين خلال الحرب، وشجعت تلك التجارة نظريات ابتكرها احد علماء النفس يدعى فاليغو ناجيرا، لكنها اصبحت في ما بعد نوعاً من التجارة الرائجة والتي وجدت مؤازرة كبيرة وتأييداً من القانون الاسباني الذي يجيز التبني غير الشرعي، والذي ظل سارياً حتى .1987 واستمر الاثر النفسي لهذه التجارة السوداء في نفوس الاطفال الى يومنا هذا.

وتطرح بعض الجهات تساؤلات مثل: هل يحق لأمهات الأطفال المفقودين المطالبة بأبنائهن حتى لو لم يرغب هؤلاء الاطفال الذين هم اليوم رجال كبار؟ وهل يجوز للنظام العدلي أن يتدخل في هذا الخصوص؟ وهل يمكن اعتبار الآباء الذين ربّوا هؤلاء الأطفال مجرمين؟

سرقوا طفلتي

تقول أم إحدى الفتيات المختطفات، وتدعى دولوريس كاميلاس، إن ابنتها تبلغ سن الـ33 بحلول العام المقبل.

وتسترجع كاميلاس ذكريات الزمن الماضي «لم أستطع أن اطلق عليها اسماً، ولكنني سأسميها مجازاً ديساير». وكانت كاميلاس في الـ30 من العمر عندما وضعت طفلتها في مستوصف جافير في بلباو عام ،1978 وتقول: «أجبرتني والدتي على الزواج من والد الطفلة، وهو صديقي، إذ كنت جاهلة وساذجة ولم احصل على أي تعليم». وتضيف انها انتقلت الى بلباو لأنه كان يعمل هناك، الا ان المشكلات سرعان ما نشبت بينهما فقد كان يدمن السكر، وكان رجلاً غيوراً، وفي بعض المرات انهارت باكية في الكنيسة فاخبرها القس بان هناك امرأة تدير ملجأ في احدى الشقق والتي يمكن ان تساعدها.

تركت كاميلاس زوجها وهي حامل في شهرها الاول لتقيم في ذلك الملجأ، وكان هناك 20 امرأة اخرى حاملاً، معظمهن أتين من أسر كريمة، وأن مديرة الملجأ لديها شقق اخرى في المدينة، وكانت تتمتع بالسلطة ولها صورة شخصية مع البابا. وتقول انها وضعت طفلة وجاءت احدى الراهبات في اليوم الاول من الوضع واخذت لها صورة مع ابنتها الوليدة واعطتها تلك الصورة. ولم ترَ كاميلاس طفلتها بعد ذلك، واكتشفت في ما بعد ان الطفلة قد تم بيعها بقيمة 200 ألف بيزيتا، وانها هي نفسها دفعت 12 الف بيزيتا نظير خدمات الانجاب، وتضيف «بعد يومين من انجابي الطفلة طردوني خارج المستوصف، واخبرتني احدى الراهبات انه من الافضل ان تتربى الطفلة في الملجأ، ولم أفهم في ذلك الوقت انهم اخذوا مني الطفلة والى الابد».

ربما نجد بعض الاجابات لهذه التساؤلات في بعض الروايات التالية: تعتبر كارلا أرتيز أول طفل مسروق تعثر عليه «رابطة أمهات بلازا دي مايو»، وهي منظمة تبحث عن الاطفال المأخوذين من السجينات خلال عهد الديكتاتورية، وتقول كارلا إنها علمت عن ماضيها وهي لاتزال طفلة في العاشرة من عمرها، لكنها قبلت بوضعها، وبعد ان شهدت كارلا ضد والدها المزعوم في المحكمة خاصمها اخوها (بالتبني) ولم يعد يتحدث اليها.

وفي عام 2009 أجاز البرلمان قانوناً جعل استخدام الحمض النووي ملزماً في حالة ظهور بعض الدلائل التي تشير الى ان الطفل قد يكون مسروقاً. وهي الطريقة التي تمكنت من خلالها رابطة الامهات، العام الماضي، من معرفة «غراند صن 102» والذي يرمز لصبي تربى في كنف ضابط في القوات الجوية، ورفض الصبي معرفة ما إذا كان الضابط والده الطبيعي أم لا، الأمر الذي اضطر المحكمة الى مصادرة ملابسه الداخلية من أجل أخذ عينات من حمضه النووي، حيث اظهرت نتائج الاختبار ان والديه كانا من ضحايا الاضطهاد.

تكشف الحقائق

يقول سانتياغو غونزاليس، الذي أسس موقعاً على الإنترنت

عنوانه www.adoptados.org z

بعد أن اكتشف والديه الحقيقيين: «اذا نشأ الطفل المعني في عائلة غير عائلته الاصلية فينبغي ألا نطلب منه بعد أن بلغ الـ30 أو الـ40 أن يبحث عن ابويه الحقيقيين اللذين لم يعرف عنهما شيئاً من قبل، ولا يحس تجاههما بعطف أو حنان».

ويضيف انه إذا ما عثرت احدى المؤسسات ذات العلاقة على أحد الاطفال المسروقين أو المتبنين، فإن عليها أن تخبره بان والديه الحقيقيين يبحثان عنه فاذا لم يرغب في الاندماج معهما فينبغي ان يتم اخطار هذين الوالدين بان ابنهما بصحة جيدة وسعيد في بيئته، «واذا رغب مستقبلاً في الاتصال بهما فإنه يعرف عنوانهما جيداً».

ويقول انريك فيلا، المحامي المتخصص في البحث عن الآباء الحقيقيين للأبناء المسروقين أو المتبنين، وفي حقيقة الامر هو نفسه كان يبحث عن والدته الحقيقية، «إن شبكات خطف الاطفال منظمة جداً تتولاها نساء ذات علاقات اجتماعية واسعة يجندن اطباءً وممرضات وقابلات وافراداً من الوسط الديني للعثور على الاطفال وللعثور على متبنين لهم».

وفي الوقت الراهن سيقدم كل من فيلا وانتونيو براسو، وهو احد المحامين الذي اكتشف قبل ثلاث سنوات ان والديه بالتبني اشترياه بقيمة 200 ألف بيزيتا للنائب العام 400 قضية تتعلق بأطفال مسروقين، ويعتقدان بأن هذه القضايا ترقى الى جرائم الاحتجاز غير المشروع والاختطاف، الا ان فيلا يعلم جيداً ان معظم هؤلاء الابناء المختطفين لا يعتقدون بان آباءهم بالتبني مجرمون، وقد شاهد فيلا بنفسه كثيراً من هؤلاء الاباء في مكتبه، ويقول: «معظمهم يشعر بالخوف، وكثير منهم لا يعتقد بانه اختطف طفلاً، لكنهم يعتقدون بان المبلغ الذي دفعوه نظير تبني الطفل انما ذهب الى الام الطبيعية لمساعدتها اقتصادياً والتي ايضاً تنازلت عن طفلها طوعاً، ولهذا السبب فانها سلمت طفلها من دون أي وثائق، وان المتبنين لا يعتقدون بأنهم ارتكبوا أي جرم».

قضية مؤلمة

يقول الباحث الاجتماعي، فرانسيسكو غونزاليس دي تينا، الذي أجرى تحقيقاً مع عدد من أمهات الاطفال المختطفين والذي قدم تقريراً الى القاضي غارثون: «إن هذه المشكلة من وجهة نظر اجتماعية وأنثروبولوجية اصبحت موضوعاً مؤلماً لي لأنه لا يمكن تسويته بالكامل».

ويضيف أن هناك الكثير من هذه الحالات في اسبانيا، وانه منذ عام 2009 كان يشهد حالة او حالتين في اليوم من هذه الحالات، ويقول بنبرة حزينة: «نحن نعيش في مجتمع ينعدم فيه الامن من حيث انتماء الابناء لآبائهم، واصبح الكثير من المواطنين غير متأكدين من انهم يعيشون مع آباء حقيقيين». ويرى ان مثل هذا الوضع يخلق مشكلة من حيث ان مثل هؤلاء الاشخاص لا يمكنهم ان يثقوا في تاريخهم الاكلينيكي، كما يولد هذا الوضع مشكلات قانونية وميراثية واخرى نفسية، إذ ينتاب القلق ضحايا التبني، لان لديهم في الوقت الراهن امهات وآباء، وان من يريد منهم البحث عن والديه الحقيقيين فانه لا يبحث عنهما للارتباط بهما، وانما فقط على سبيل الاستكشاف وحب الاستطلاع، ومن الناحية الاخرى فإن الامهات الطبيعيات لهؤلاء الاشخاص يبحثن بالفعل عن اطفالهن الحقيقيين من اجل الارتباط بهم. ويعتقد الطبيب النفسي غويلرمو فوس، الاستاذ بجامعة كارلوس بالعاصمة الاسبانية مدريد، أن مشكلة الانتماء والهوية وما يرتبط بها من شعور نفسي ناتج عن سرقة الاطفال تعتبر من أصعب الصدمات النفسية التي يواجهها البشر، إذ إن والدي الطفل المسروق اللذين قضيا وقتاً طويلاً في البحث عن ابنائهما المفقودين من دون جدوى يعانيان الاحباط والقلق، أما الطفل المخطوف فيعاني شعوراً متضارباً حيال من تبنّاه، لأنه يعتقد بأن من تبنّاه كذب عليه طيلة ذلك الوقت.

طباعة