تعد إحدى أكثر الدول ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات عالمياً

آيسلندا تواجه موجة غلاء وسط تصاعد الجدل حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

صورة

تعد جزيرة آيسلندا واحدة من أكثر الدول ارتفاعاً في أسعار السلع والخدمات على مستوى العالم، حيث يبلغ ثمن ست حبات صغيرة من الطماطم نحو 980 كرونة آيسلندية، أي نحو سبعة يورو، أو ما يقارب من 8.15 دولارات، وفقاً لسعر الصرف الحالي.

ولا تقتصر الأسعار المرتفعة على المواد الغذائية الأساسية، إذ يبلغ سعر شطيرة «همبرغر» في مطعم متواضع للغاية نحو 28 يورو، فيما يتجاوز سعر «بيتزا بيبروني» عادية وجاهزة 22 يورو، بينما يصل سعر بطاقة بريدية تحمل صورة لمضايق آيسلندا إلى نحو خمسة يورو.

وتبدو زيارة العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، وهي أكبر مدن البلاد، وأكثر الوجهات السياحية ازدحاماً فيها، بمثابة مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى ميزانية أي شخص، فقد أصبحت هذه الجزيرة النائية والغنية، الواقعة في شمال المحيط الأطلسي، تحمل منذ الربيع الماضي لقب أغلى دولة في العالم.

ويتزامن ذلك مع استعداد البلاد لإجراء استفتاء مهم، في 29 أغسطس الجاري، يقرر فيه الآيسلنديون ما إذا كانوا يريدون المضي نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أم لا.

ارتفاع الأسعار

وليس من المستغرب أن يثير هذا الوضع الكثير من التساؤلات، حيث إن الدولة التي تتصدر قائمة الأسعار العالمية ليست سويسرا، ولا موناكو، ولا النرويج، ولا حتى جزر الكاريبي التي استقرت فيها بعض أكبر الثروات الأميركية، وإنما هذه الجزيرة النائية.

ووفقاً لحسابات نقابة العمال الآيسلندية «فيسكا»، فقد وصلت الأسعار في آيسلندا إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت لم تتعرض فيه أي دولة غنية أخرى، على مدى نصف القرن الماضي، لضربة تضخم أشد من تلك التي تواجهها البلاد حالياً.

وتقول المواطنة الآيسلندية، ثورون دافيدسدوتير، التي تبلغ من العمر 55 عاماً، أثناء خروجها من أحد متاجر «السوبرماركت» المخفضة الأسعار في منطقة برايدهولت، وهي منطقة عمالية تقع شرقي العاصمة: «لقد شهدنا ارتفاعاً في الأسعار لسنوات، لكنه كان ملحوظاً بشكل خاص خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث أصبح كل شيء أغلى بكثير».

وتوضح دافيدسدوتير أن الارتفاع شمل مختلف جوانب الحياة اليومية، لافتة إلى أن «المطاعم، والطعام بشكل عام، والملابس، والأحذية» أصبحت أكثر كلفة، ومع ذلك، تشير إلى أن تأثير ارتفاع الأسعار عليها شخصياً أقل من تأثيره على الأسر التي لديها أطفال، مضيفة: «لقد غادر أبنائي المنزل، ولذلك لم يبق إلا أنا وزوجي في المنزل».

ارتباط وثيق

وقد يبدو للوهلة الأولى أن موجة التضخم المتراكمة، والاستفتاء الذي سيشارك فيه نحو 400 ألف نسمة من سكان البلاد، لتحديد ما إذا كانوا يريدون اتخاذ خطوة كبيرة باتجاه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبالتالي التحول إلى الدولة العضو الـ28 في الاتحاد، مسألتان منفصلتان تماماً.

لكن الواقع يشير إلى ارتباط وثيق بينهما، فإذا كانت استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر أن ما يزيد قليلاً على نصف الآيسلنديين يؤيدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن أحد الأسباب الرئيسة وراء هذا التوجه يعود إلى الضرر الذي ألحقه ارتفاع الأسعار والتضخم بحسابات المواطنين الآيسلنديين ومداخيلهم ومدخراتهم.

ويعتقد العديد ممن قابلتهم صحيفة «إل بايس»، خلال أسبوع صيفي مشرق في ريكيافيك وشبه جزيرة «سنايفيلسنيس»، أن اعتماد اليورو، بوصفه خطوة لاحقة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يسهم في تهدئة موجة التضخم، ولن يكون اعتماد العملة الأوروبية فورياً في حال التصويت لمصلحة الانضمام، حيث من المقرر إجراء تصويت منفصل في مرحلة لاحقة بشأن هذه الخطوة.

ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه التضخم بالفعل الشغل الشاغل للآيسلنديين وفقاً لاستطلاعات الرأي، وهو أمر ليس مستغرباً في ظل ارتفاع الأسعار خلال العام الجاري بمعدل 5% على أساس سنوي، أي ضعف هدف البنك المركزي الأيسلندي البالغ 2.5%.

أجور مرتفعة

وفي المقابل، تتمتع آيسلندا بمستويات أجور مرتفعة، بل مرتفعة جداً مقارنة بمعظم دول أوروبا القارية، وعلى الرغم من عدم وجود حد أدنى رسمي للأجور في البلاد، فإن أدنى مستويات الأجور تتجاوز 3000 يورو، أي نحو 3500 دولار شهرياً، قبل احتساب الضرائب، وفقاً لأسعار الصرف الحالية.

غير أن ارتفاع الأجور لم يعد كافياً لتعويض الزيادة السريعة في تكاليف المعيشة، التي ترتفع بوتيرة أسرع.

ويقول سائق شاحنة بولندي، مارسين بلاسيك، يبلغ من العمر 50 عاماً، الذي أمضى أكثر من نصف حياته في «أرض الجليد والنار»، وذلك أثناء تفريغه البضائع في ميناء ريف، شمال غرب البلاد: «تحصل على أجر أعلى بكثير، لكن عليك أن تكون أكثر حذراً في إنفاقك».

ويؤكد بلاسيك أن ارتفاع الأسعار أصبح أمراً لا يمكن تجاهله، قائلاً: «ارتفعت الأسعار بشكل هائل، لكن هذا الارتفاع ملحوظ بشكل خاص في قطاع الإسكان».

ولا تعد أزمة ارتفاع تكاليف السكن ظاهرة خاصة بآيسلندا، فهي مشكلة شائعة في أجزاء واسعة من أوروبا والغرب عموماً، إلا أنها ازدادت حدة في آيسلندا بفعل ارتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة للغاية، ما جعل الحصول على السكن وتحمل تكاليفه أكثر صعوبة.

ضعف المنافسة

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الفخري في جامعة آيسلندا، ثورفالدور جيلفاسون، أن السبب الرئيس لارتفاع الأسعار يعود إلى ضعف المنافسة في السوق، قائلاً: «يعود ارتفاع الأسعار بشكل رئيس إلى غياب المنافسة، فالاحتكار القليل هنا أشبه برياضة وطنية».

ويضيف جيلفاسون أن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية عن ضعف المنافسة، يتمثل في ارتفاع تكاليف نقل معظم المنتجات إلى البلاد، موضحاً: «نستورد نصف ما نستهلكه، ومعظمه من أوروبا القارية».

أما العملة الآيسلندية، أي الكرونة، التي يلقي كثيرون باللوم عليها في ارتفاع الأسعار، فلا يرى الخبير الاقتصادي أنها تلعب بحد ذاتها دوراً مباشراً ورئيساً في موجة الغلاء الحالية، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن آيسلندا لديها تاريخ طويل من انهيارات العملة، وهي أحداث عادة ما تترافق مع موجات من التضخم.

وتبرز كلمتا «التضخم» و«الأسعار» باعتبارهما من أكثر الكلمات تكراراً في أحدث مشاورات المادة الرابعة مع آيسلندا، وهي المراجعة السنوية التي يجريها صندوق النقد الدولي لتقييم الوضع الاقتصادي في البلاد.

وفي السطور الأولى من هذه المراجعة، التي نشرت في نهاية يوليو الماضي، أصدرت المؤسسة الدولية، التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، تحذيراً واضحاً من استمرار الضغوط التضخمية، فقد أشارت إلى أن شبح «تراجع توقعات التضخم»، وهو أحد أسوأ السيناريوهات بالنسبة إلى خبراء الاقتصاد وصُنّاع السياسات النقدية، أصبح يخيّم بالفعل على الجزيرة، قبل أن تؤكد أن «أولويات السياسة الآن تتمثل في إعادة التضخم بشكل مستدام إلى المستوى المطلوب».

تكاليف المعيشة

وتعكس تجربة الفرنسية، أورورا بيلييه كادي، جانباً آخر من تداعيات ارتفاع الأسعار، فقد انتقلت كادي، البالغة من العمر 37 عاماً، من باريس إلى ريكيافيك عام 2019، بعدما كانت قد عاشت في مدينة تُعرف هي الأخرى بارتفاع تكاليف المعيشة، لكنها تقول إن ريكيافيك أصبحت اليوم أكثر غلاءً بكثير مما كانت عليه عند وصولها.

وتقول كادي، من متجر الحلويات الذي افتتحته قبل أربع سنوات: «في ذلك الوقت، كانت الأسعار مرتفعة، لكنها كانت معقولة، أما الآن، فالوضع جنوني»، على حد وصفها.

وعندما انتقلت إلى آيسلندا، كانت كادي لاتزال تعيش في شقة مشتركة، حيث لم تكن قادرة، حتى مع امتلاكها مشروعها الخاص، على تحمل كلفة الإيجار بمفردها. أما اليوم، وعلى الرغم من استمرار الأداء الاقتصادي الجيد للبلاد، فإنها تلاحظ تراجعاً في الإنفاق المحلي، وتقول: «ما أبيعه ليس من الضروريات الأساسية، وهذا واضح».

ومع ذلك، تتمكن كادي من تعويض جزء من هذا التراجع بفضل الازدهار الكبير في قطاع السياحة، حيث تستقبل آيسلندا أكثر من ستة زوار مقابل كل فرد من سكانها، في حين لا يتجاوز هذا المعدل زائرين اثنين لكل فرد في إسبانيا.

دوامة التضخم

وكانت وكالة الإحصاء الرسمية في آيسلندا نشرت أخيراً أرقاماً تكشف حجم دوامة التضخم وارتفاع الأسعار في البلاد، فعلى الرغم من أن دخل الفرد في آيسلندا يزيد بنحو الثلث على متوسط دخل الفرد في دول الاتحاد الأوروبي الـ27، وأن معدل الاستهلاك للفرد أعلى بنحو 15%، فإن الارتفاع في الأسعار وصل إلى مستوى كبير يبلغ 84%.

وتظهر الفجوة بشكل أكثر وضوحاً عند النظر إلى القطاعات المختلفة، فأسعار المواد الغذائية في آيسلندا أعلى في المتوسط بنسبة 58% مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي التي يمكن أن تصبح شريكة لها مستقبلاً.

كما أن كلفة الرعاية الصحية والتعليم الخاصين تتجاوز ضعف كلفتهما في القارة الأوروبية، أما المشروبات التي تخضع لضرائب مرتفعة، كما هو الحال في العديد من دول الشمال الأوروبي، فيصل سعرها إلى نحو ثلاثة أضعاف الأسعار في دول أخرى.

عن «إل بايس»

. الضرر الذي ألحقه ارتفاع الأسعار والتضخم بمداخيل الآيسلنديين ومدخراتهم، سبب رئيس في تأييد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.


انقسام

رغم كل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها آيسلندا، يؤكد سائق الشاحنة البولندي، مارسين بلاسيك، أنه سيصوت ضد انضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن اعتماد اليورو، في رأيه، لن يكون حلاً سحرياً لمشكلة ارتفاع الأسعار، وهو ما يعكس استمرار الانقسام داخل المجتمع الآيسلندي بشأن ما إذا كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي واعتماد العملة الأوروبية يمكن أن يشكلا بالفعل مخرجاً من أزمة الغلاء والتضخم، التي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه البلاد.


تداعيات «الانضمام» تتجاوز حدود آيسلندا

آيسلندا تقدمت بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عام 2009 . موقع «إذاعة أوروبا الحرة »

في 29 أغسطس الجاري، ستجري آيسلندا استفتاءً حول استئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مع بروكسل، وسبق لآيسلندا أن خاضت هذا الموقف، فقد تقدمت بطلب الانضمام إلى الاتحاد عام 2009، وبدأت المحادثات عام 2013، وبعد عامين أبلغت ريكيافيك الاتحاد الأوروبي بأنها لم تعد راغبة في الانضمام إلى الاتحاد، مع أنها لم تسحب طلبها رسمياً.

وقد يكون لما سيحدث هذه المرة تداعيات تتجاوز حدود آيسلندا، فبينما لا يحظى استفتاء، في جزيرة يبلغ عدد سكانها أقل من 400 ألف نسمة في شمال المحيط الأطلسي، عادةً باهتمام إعلامي كبير، إلا أن هذا التصويت قد تكون له تأثيرات مباشرة في الاتحاد الأوروبي، والدول المرشحة حالياً، ودول أوروبية أخرى تدرس توثيق علاقاتها مع التكتل، وفقاً لـ«إذاعة أوروبا الحرة».

ويُلاحظ بين الدبلوماسيين الأوروبيين الذين تحدثوا إلى الإذاعة، أن لهذا الاستفتاء أهمية بالغة في بروكسل، كما هو الحال في ريكيافيك، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الأثر الإيجابي الفوري الذي سيُضفيه على الاتحاد الأوروبي، الذي عانى عقداً مضطرباً، شهد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبطء النمو الاقتصادي في بعض أجزاء الاتحاد، والنزاعات حول الهجرة، والمخاوف الأمنية التي غذتها الهجمات الهجينة الروسية.

وسيُشكل ذلك دفعة رمزية لتكتل تركزت فيه نقاشات التوسع الأخيرة بشكل كبير على الدول المرشحة الأقل ثراء في شرق وجنوب شرق أوروبا.

وإذا انضمت آيسلندا، فستصبح ثالث أغنى دولة عضو من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وستسهم بشكل صافٍ في ميزانية الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لا يتوقع أن تحققه أي من الدول المرشحة الحالية في غرب البلقان أو شرق أوروبا.

وسيكون من السهل استيعابها، فهي ليست فقط أصغر دولة عضو من حيث عدد السكان، بل هي أيضاً جزء من منطقة «شنغن» التي تتيح حرية التنقل من دون جوازات سفر، وتتمتع بصلاحيات واسعة في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي وقواعده، وذلك بفضل عضويتها في المنطقة الاقتصادية الأوروبية، إلى جانب ليختنشتاين والنرويج من خارج الاتحاد الأوروبي.


فوائد اقتصادية

يخالف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، جون ستاينسون، وهو أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين المتخصصين في الشأن الآيسلندي، الرأي الرافض لانضمام آيسلندا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يرى أن هذه الخطوة يمكن أن تحمل في طياتها العديد من الفوائد، لاسيما على الصعيد الاقتصادي، وأنها قد تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية في البلاد.

ويوضح ستاينسون أن من أبرز فوائد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي «تقليص الحواجز التجارية وزيادة مستوى المنافسة»، مشيراً إلى أن ذلك من شأنه أن يسهم في خفض أسعار السلع والخدمات، وبالتالي تخفيف جزء من الأعباء المعيشية التي يتحملها المواطنون في آيسلندا.

ويضيف أن إمكانية انضمام آيسلندا إلى منطقة اليورو قد توفر بدورها فوائد اقتصادية مهمة، من بينها خفض أسعار الفائدة التي ارتفعت أخيراً إلى نحو 8%، في حين تبلغ 2.25% في منطقة اليورو.

ويرى أن انخفاض أسعار الفائدة يمكن أن يجعل تكاليف الحياة والاقتراض أكثر انخفاضاً، مؤكداً أن هذه المسألة تمثل «فائدة مهمة» بالنسبة إلى الاقتصاد الآيسلندي والمواطنين على حد سواء.

. إمكانية انضمام آيسلندا إلى منطقة اليورو قد يخفض أسعار الفائدة.

تويتر