«تأنيث» المؤسسات أوجد نوعاً من عدم المساواة تجاه الرجال
آيسلندا.. هيمنة النساء على الحياة العامة تثير تساؤلات
على مدى أكثر من نصف قرن، سعت آيسلندا إلى تنفيذ واحدة من أكثر التجارب الاجتماعية طموحاً في العالم الديمقراطي، كان هدفها المعلن واضحاً: القضاء على هيمنة الذكور، وبكل المقاييس التقليدية نجحت في ذلك.
تشتهر آيسلندا بكونها «الدولة الأكثر مساواة» في العالم، حيث تتصدر التصنيفات الدولية للمساواة بين الجنسين، وتشغل النساء منصبَي الرئاسة ورئيس الوزراء، ويُدِرن وزارات الحكومة، والكنيسة الوطنية الآيسلندية، والجامعات، والمدارس، والبلديات، والشرطة، والخدمات الاجتماعية، وغرف الأخبار، وجزءاً كبيراً من الجهاز البيروقراطي العام المتوسع باستمرار في البلاد.
وتصل الوفود الدولية متلهفة لاكتشاف سر نجاح آيسلندا، ويثني السياسيون من الخارج على «النموذج الآيسلندي»، وتحتفي به المنظمات الدولية، وأصبحت آيسلندا البلد الذي يُشجع معظم العالم الغربي على الاقتداء به.
ومع ذلك، لا يطرح أحد السؤال الذي تستحقه في نهاية المطاف كل تجربة اجتماعية ناجحة: ماذا يحدث عندما يقضي مجتمع عقوداً في تصحيح خلل ما، ليخلق في النهاية خللاً آخر أصبح حساساً «سياسياً»، لدرجة ألا أحد تقريباً يجرؤ على الاعتراف به أو التشكيك فيه؟
إنها ليست حجة ضد تولي النساء مناصب السلطة والنفوذ، كما أنها ليست دعوة للعودة إلى ماضٍ أسطوري كان الرجال فيه يهيمنون على الحياة العامة، بل هناك من يتناول موضوعاً أبسط وأكثر إثارة للقلق في آن واحد.. إنه تحليل لمدى ما أصبحت المؤسسات العامة في آيسلندا مهيمناً عليها بشكل ساحق من قبل النساء، ومتأثرة بشكل متزايد بـ«نظرة نسوية» معينة للعالم، لدرجة أنها أصبحت الآن تعاني نقاط ضعفها الخاصة التي يمكن توقعها، إنها محاولة للتساؤل عمّا إذا كانت آيسلندا قد استبدلت بهدوء عقيدة سائدة لا جدال فيها بأخرى، والجواب: نعم، لقد فعلت ذلك.
نخبة جديدة
على مدى عقود، انتقدت هيئات النساء الآيسلنديات والسياسيون التقدميون في البلاد امتيازات الرجال.
لكن الامتياز الذي نادراً ما نناقشه هو الامتياز المؤسسي: القدرة على تشكيل السياسة العامة، والأولويات التعليمية، والإنفاق العام، واللغة المقبولة، والأعراف الاجتماعية من داخل مؤسسات لا تتشابه أيديولوجياً تماماً فحسب، بل تتألف في الغالب من النساء فقط.
هذه ليست مؤامرة، بل شيء أكثر عادية بكثير، فالناس يوظفون من يفكرون مثلهم، والجامعات تقبل الطلاب الذين يوظفون لاحقاً خريجي التخصصات نفسها، وتتعاون الوكالات الحكومية مع المنظمات الممولة من المال العام التي يعمل بها أشخاص يتشاركون الأيديولوجيات نفسها، وبمرور الوقت تنشأ ثقافة مؤسسية، ليس بالضرورة لأن أحداً خطط لذلك، بل لأن هذا ببساطة ما تفعله المؤسسات.
«الغضب العاجز»
إحدى النتائج التي نادراً ما تُناقش في آيسلندا هي التأثير الذي أحدثه هذا التحول الثقافي على الرجال الآيسلنديين، ولا يدعي أحد أنه يتحدث باسمهم جميعاً، فالرجال الآيسلنديون متنوعون مثل أي مجموعة أخرى، ولكن على مدى سنوات عدة، ظهر أمر يصعب تجاهله: مزيج خفي من الخوف والإحباط وما يمكن وصفه بـ«الغضب العاجز».
ليس غضباً يُعبَّر عنه بثقة أو مواجهة، بل إحباط أشخاص يشعرون بشكل متزايد بأن التحدث بصراحة ينطوي على مخاطر، إنهم قلقون من قول الشيء الخطأ، أو طرح السؤال الخطأ، أو التعبير عن رأي غير مقبول، ومعظمهم يكتفون بالتكيف، فيصمتون.
هناك تجربة شخصية صغيرة توضح هذه النقطة، فقد علّق أميركي كان يزور عائلة في العاصمة ريكيافيك، لفتاة تبلع من العمر 24 عاماً، قائلاً: «أمك امرأة قوية جداً»، كان المقصود من ذلك بلا شك المجاملة، وعندما ذكر والد الفتاة لاحقاً هذا الحوار لصديقه الآيسلندي، فاجأته ردة فعله، إذ قال: «يا إلهي، لم أجرؤ أبداً على استخدام كلمة مسيئة مع امرأة آيسلندية»، ثم أضاف بنبرة مريرة بعض الشيء: «لكنني، في النهاية، رجل آيسلندي خاضع لزوجته».
كان التباين بينهما كاشفاً، فقد تحدث الضيف الأميركي بأسلوب طبيعي، مفترضاً حسن النية وروح الدعابة المشتركة، بينما فكّر الآخر (الآيسلندي) على الفور في العواقب الضارة المحتملة. وتوضح هذه الحادثة شيئاً يصادفه البعض مراراً، لدرجة يعتقدون أنه يعكس مزاجاً ثقافياً آيسلندياً أوسع نطاقاً.
يبدو أن الكثير من الناس، لاسيما الرجال، يتعاملون بحذر مع التفاعلات الاجتماعية العادية، خوفاً من أن تُفسر كلماتهم بأقل الطرق إيجابيةً على الإطلاق.
تتطلب الديمقراطيات السليمة أكثر من مجرد حرية التعبير القانونية، فهي تعتمد أيضاً على الثقة الاجتماعية، تلك الثقة التي تسمح للمواطنين بالاختلاف في الرأي، والمزاح، وطرح الأسئلة، وربما الزلل اللفظي أحياناً، دون أن يفترض كل منهم الأسوأ في الآخر، وعندما تبدأ تلك الثقة في التآكل، تصبح الحياة العامة أفقر، ليس لأن الناس لديهم ما يقولونه، بل لأن عدد الراغبين في قوله قد تضاءل.
الدولة النسائية
يعشق زوار آيسلندا المناظر الطبيعية، لكنهم نادراً ما يلاحظون البيروقراطية، التي قد تكون أبرز إنجازات البلاد، وعلى مدى عقود عدة، بنت آيسلندا قطاعاً عاماً ضخماً بشكل استثنائي بالنسبة لدولة يقل عدد سكانها عن 400 ألف نسمة.
لا شك أن القطاعات العامة الكبيرة تجذب مهناً معينة: التعليم، والموارد البشرية، والإدارة العامة، والعمل الاجتماعي، والرقابة التنظيمية، ومكاتب «المساواة والإنصاف»، وحماية الطفل، وقطاع المنظمات غير الحكومية، والدعوة العامة، على سبيل المثال لا الحصر، وفي معظم أنحاء العالم الغربي، خصوصاً في آيسلندا، تهيمن النساء على هذه المهن، ففي معظم هذه المؤسسات، لا تشكل النساء مجرد أغلبية، بل يشكلن أغلبية ساحقة.
لأجيال عدة، كانت آيسلندا قلقة بشأن تركيز السلطة في أيدي الرجال، واليوم هناك سؤال مثير للاهتمام بالقدر نفسه لا يحظى بأي اهتمام تقريباً: ماذا يحدث عندما تعكس الدولة نفسها بشكل متزايد الوظائف والمؤسسات والمهن التي تشهد تركيزاً ساحقاً للسلطة النسائية؟
السؤال ليس ما إذا كانت النساء قادرات على الحكم، فهن قادرات بالطبع، السؤال هو ما إذا كانت الديمقراطية تستفيد عندما يستمد عدد كبير من مؤسساتها العامة قيادتها من خلفيات مهنية وثقافية موحدة، تُظهر الإحصاءات أن القطاع العام لا تهيمن عليه النساء فحسب، بل إن احتمال عمل النساء في الوظائف العامة أعلى بكثير من احتمال عمل الرجال.
تشكل النساء نحو 62% من الموظفين في الحكومة المركزية الآيسلندية، ونحو 70% من الموظفين العاملين في البلديات، وتعمل 43% من إجمالي النساء العاملات في آيسلندا في القطاع العام، مقارنة بـ15% فقط من الرجال العاملين، وفي ريكيافيك، أكبر مدينة في آيسلندا، تشكل النساء 72.4% من القوة العاملة، وفي العديد من الوكالات العامة الآيسلندية، يقترب تمثيل النساء من «الهيمنة الكاملة».
عن «يوربيان كونسرفتيف»
أغلبية ساحقة في الوزارات
في المدارس العامة بمدينة بريكيافيك، هناك 36 من أصل 42 مديراً هم من النساء، ومن بين 39 نائباً للمدير، هناك 35 من النساء، وأربعة من الرجال فقط.
وفي الوزارات الآيسلندية، تشكل النساء أغلبية ساحقة من الموظفين الفنيين، إذ يتألف طاقم وزارة العدل من 52 امرأة و23 رجلاً، كما يعمل في مكتب الحقوق المدنية التابع لها سبع نساء ورجل واحد، ومن المفارقات أن الأرقام نفسها تنطبق على مكتب المساواة التابع للوزارة.
بدورها، تضم وزارة شؤون الطفل والتعليم 68 موظفاً، منهم 50 امرأة، ومن بين موظفي وزارة الصحة، البالغ عددهم 78 موظفاً، هناك 56 امرأة، في وقت لا يعمل أي رجل في مكتب الخدمات الصحية أو مكتب مدير الوزارة.

النساء يعملن في وظائف مريحة. من المصدر
الرجال يدفعون الفواتير
أحد الأسئلة المهمة التي يطرحها البعض: أين يوجد جميع الرجال إن لم يكونوا في القطاع العام؟ حسناً، إنهم يدفعون فواتير «الدولة النسائية»، إذ يعمل نحو 85% من الرجال العاملين في آيسلندا بالقطاع الخاص، مقارنة بـ57% من النساء العاملات لدى القطاع الحكومي.
يعتمد معظم أكبر صناعات التصدير في آيسلندا، مثل صيد الأسماك، وتجهيز المأكولات البحرية (السفن، والإدارة)، والبناء، والطاقة، وإنتاج الألمنيوم، والنقل الثقيل، والشحن البحري، والهندسة، على قوة عاملة يغلب عليها الرجال، وهذا لا يعني أن العاملين في القطاع العام لا يسهمون اقتصادياً، فهم يوفرون التعليم، والرعاية الصحية، والشرطة، والإدارة، والبنية التحتية، وغيرها من خدمات تدعم الاقتصاد، ولاتزال سوق العمل في آيسلندا تتسم بفصل شديد بين الجنسين، حيث يواصل الرجال هيمنتهم على الصناعات التي تتطلب جهداً بدنياً، وتلك الموجهة للتصدير، في حين تتركز النساء بشكل كبير في المؤسسات العامة الممولة من الضرائب ومهن الرعاية، وهي غالباً وظائف مريحة وهادئة مع مزايا مغرية.

الرجال يعملون في المهن التي تتطلب جهداًً بدنياًً. من المصدر
الرجال والنساء في العمل
كل مؤسسة وكل جهاز بيروقراطي يطوّر عاداته وغرائزه الخاصة، وكل مهنة تكتسب مفرداتها الأخلاقية الخاصة، فيبدأ الأخصائيون الاجتماعيون في رؤية «نقاط الضعف»، فيما يبدأ المعلمون رؤية «الحلول» التربوية، ويرى مديرو الموارد البشرية «التحيزات».
ليس في أي من هذا ما يثير الدهشة، ومع ذلك، ولسبب ما، يشعر الكثيرون بعدم الارتياح عندما يُطبق المنطق نفسه على المؤسسات، ففي الديمقراطيات الحديثة نناقش بسرور التنوع العرقي والإثني والديني واللغوي، لكننا نشعر، بشكل غريب، بعدم الارتياح عند مناقشة التنوع في «الأيديولوجية المؤسسية».
يقول خبراء في علم الاجتماع إنه إذا كانت الغالبية الساحقة من العاملين داخل المؤسسات العامة الكبرى، في آيسلندا، لا تشترك فقط في خلفيات تعليمية متشابهة، وخبرات مهنية متشابهة، وافتراضات أيديولوجية متشابهة، بل كانت أيضاً من الجنس نفسه، فلا يمكننا أن نتوقع من تلك المؤسسات أن تظل متنوعة فكرياً.
لكن الحديث عن هذا الأمر يُعد من المُحرمات في آيسلندا، وهذا أمر غريب، لأن قلة قليلة فقط ستعترض على فكرة أن مؤسسة تتألف بالكامل تقريباً من الرجال قد تعاني نقاطاً عمياء ثقافية. وإذا انقلبت الأدوار بين الجنسين، لا يصبح طرح السؤال مثيراً للجدل فحسب، بل قد يُعتبر أيضاً معادياً للنساء ومليئاً بالكراهية، وفقاً للثقافة السائدة حالياً في آيسلندا.
أمضت آيسلندا عقوداً في محاولة القضاء على هيمنة الذكور في الحياة العامة، وقد نجحت في ذلك، لكن بدلاً من تحقيق التوازن، أوجدت نوعاً مختلفاً من الخلل، إن لم يكن الظلم، لا يرغب سوى قلة من الناس في الاعتراف به.
ولعل ما يتعين على آيسلندا الآن أن تسهم به للعالم هو تحذير: فكل حركة ناجحة تخاطر في نهاية المطاف بأن تصبح ما كانت تعارضه في السابق، وكل ثورة تصبح عاجلاً أم آجلاً نظاماً راسخاً، وكل نظام راسخ يكتسب في النهاية نقاط ضعف.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news