يواجهون صعوبة في التعامل مع زيادة عدد الحرائق وقوتها

حرائق الغابات تُجبر رجال الإطفاء على اتخاذ «خيارات مستحيلة»

صورة

كان سيزار ألكاراز قد انضم لتوه إلى صفوف رجال الإطفاء في أواخر التسعينات عندما وجد نفسه محاصراً بحريق سريع الانتشار، وبالكاد كان قادراً على التنفس، ولم يعد هناك ماء في شاحنته، فهرب هو وزملاؤه من «الجحيم» الذي كان يجتاح منطقة جبل «مونتغو» في إسبانيا، متمنين لو أن رؤساءهم أرسلوا المزيد من الدعم.

لكن، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة عقود، وبصفته ضابطاً في فرقة إطفاء مقاطعة «أليكانتي»، أصبح ألكاراز أكثر تعاطفاً مع الخيارات المؤلمة التي يضطر القادة إلى اتخاذها، فعندما تجتاح حرائق الغابات منطقة ما، تشبه مهمته عمل طبيب في غرفة طوارئ تعاني نقصاً شديداً في أجهزة التنفس الاصطناعي. إنها معضلة تزداد صعوبة مع تفاقم حرائق الغابات في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط، وبدأت تواجه حتى البلدان الباردة مثل المملكة المتحدة، حيث تغزو حرائق الغابات المدن والمنازل والحدائق. وقال ألكاراز، الذي يجلس في مركز القيادة، ويشهد اندلاع حرائق متزامنة بشكل متكرر وفي وقت مبكر من العام: «لا يتعلق الأمر فقط بزيادة عدد الحرائق التي يتعين مكافحتها، بل بخطر انهيار العمليات». وتابع: «عندما يندلع حريقان أو ثلاثة في وقت واحد، نضطر إلى اتخاذ قرارات فورية بشأن تحديد الأولويات».

موجات حر وحرائق

اجتاحت حرائق الغابات القاتلة أوروبا الغربية الشهر الجاري، وهي النتيجة المروعة لثلاث موجات حرارة متتالية حولت النباتات الخصبة إلى حطب جاف، في حين تخنق حرائق منفصلة أميركا الشمالية بدخان خانق، وقد تعرضت كل من فرنسا والبرتغال وإسبانيا لعدد قياسي من حرائق الغابات في هذا الوقت من العام، ما أدى إلى اشتعال النيران في مساحة شاسعة من الأراضي الفرنسية، ومقتل 13 شخصاً في إسبانيا.

وبدأت المملكة المتحدة الأسبوع الماضي بـ19 حريقاً منفصلاً، ما دفع الخبراء إلى التحذير من «موجة حرائق» أكثر انتشاراً من أي وقت مضى.

وعبر المحيط الأطلسي، جعل الدخان المتصاعد من 100 حريق تشتعل في شمال أونتاريو، مدينة تورونتو الكندية أكثر المدن تلوثاً في العالم يوم الأربعاء، قبل أن يعبر الحدود الأميركية ليخنق مدينة نيويورك.

ووفقاً لدراسة صدرت العام الماضي، فإن الدخان البعيد المدى الناجم عن حرائق الغابات الكندية قوي لدرجة أنه تسبب في 82 ألف حالة وفاة مبكرة في عام 2023، منها 33 ألف حالة في الولايات المتحدة و22 ألف حالة في أوروبا. ويوم الجمعة، قالت وكالة «كوبرنيكوس» التابعة للاتحاد الأوروبي، إن الدخان الصيفي تسبب في إصدار تحذيرات بشأن جودة الهواء «السيئة للغاية» في مناطق مثل نيوجيرسي، التي استضافت نهائي كأس العالم لكرة القدم، أخيراً.

ولعل من المفاجئ أن الاتجاه العالمي في حجم حرائق الغابات يشير إلى انخفاض مساحة الأراضي المحترقة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن المساحات الشاسعة من السافانا الإفريقية التي كانت عرضة للحرائق أصبحت الآن مجزأة بفعل الأراضي الزراعية. ولكن في الأماكن التي تندلع فيها الحرائق، غالباً ما تكون أكثر حرارة وأقل قابلية للتنبؤ بها وأكبر عدداً.

وقد أدى التلوث الكربوني إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية، ومع زيادة الحرارة التي تجفف النباتات، يمكن للحرائق الصغيرة أن تتصاعد بسهولة أكبر لتتحوّل إلى جحيم ناري. وهذا يسمح لحرائق الغابات بالانتشار إلى مناطق - في الغابات والأراضي البور وكذلك في المدن والمتنزهات والحدائق - لم تكن معرضة للخطر بالدرجة نفسها من قبل، ما يزيد من الخطر في ما يسميه الباحثون «الواجهة بين المناطق البرية والمناطق الحضرية».

استجابة محدودة

في فرنسا، تجبر مثل هذه السيناريوهات المتطرفة السلطات على توزيع الموارد الشحيحة، وقال المسؤول في الدفاع المدني، جوليان ماريون، خلال زيارة إلى غابة «فونتينبلو» التي لاتزال تحترق ببطء نهاية الأسبوع الماضي، إن رجال الإطفاء في فرنسا تعاملوا مع 250 حريقاً إلى 300 حريق في وقت واحد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.

وفي إسبانيا، يقول رجال الإطفاء، الذين اعتادوا التعامل مع حريقين أو ثلاثة في المرة الواحدة، إنهم يواجهون صعوبة في التعامل مع الزيادة في عدد الحرائق وقوتها. وقد تفاقمت الحالة بسبب فصول الشتاء والربيع الممطرة الأخيرة التي سمحت للنباتات بالازدهار - ما ترك كميات أكبر من الوقود الزائد الذي سيجف حتماً في الصيف - إضافة إلى هجر الأراضي الزراعية التي كانت في السابق تفصل المناطق الريفية القابلة للاشتعال. وفي نهاية الأسبوع الماضي، قالت السلطات إنها تتوقّع أن يستغرق إخماد حريق كبير في منطقة «أراغون» الريفية، وهو واحد من عشرات الحرائق التي لاتزال مشتعلة في أنحاء البلاد، أياماً عدة.

وقال خوان كامانيو، رئيس قسم التدريب في مؤسسة باو كوستا، وهي منظمة غير ربحية تساعد أيرلندا الشمالية ومناطق باردة أخرى في شمال أوروبا على الاستعداد لتفاقم حرائق الغابات: «في النهاية، فإن القدرة على الاستجابة محدودة». وأضاف: «عندما نواجه هذه الحرائق الضخمة، هذه الأحداث المتطرفة، فإن الأمر يشبه محاولة إرسال رجال الإطفاء إلى الشاطئ لوقف تسونامي».

وفي المملكة المتحدة، حيث يتركّز خطر الحرائق في المراعي أكثر منه في الغابات، اندلعت النيران هذا الشهر من المدن إلى المتنزهات الوطنية بعد بداية صيف شديدة الحرارة. وقد استدعى حريق غابات اجتاح منطقة «وولثامستو» في شرق لندن نهاية الأسبوع الماضي - الذي يُعتقد أنه نجم عن سقوط شجرة اصطدمت بكبلات الكهرباء فوق خط سكة حديد - نحو 125 من رجال الإطفاء لإخماد النيران، وساعدت الرياح القوية والنباتات الجافة على انتشار الحريق بسرعة.

من جهته، قال عالم حرائق الغابات في كلية لندن للاقتصاد، الدكتور توماس سميث: «من الأمور المقلقة التي لاحظتها خلال عطلة نهاية الأسبوع أن أجزاء كبيرة من البلاد سجلت احتمالية اندلاع حرائق مستمرة بنسبة 100%».

وأضاف: «بالنسبة للحشائش على وجه الخصوص، التي تجف بسرعة كبيرة، لا يتطلب الأمر سوى أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من الطقس الجاف للوصول إلى تلك العتبة».

وقال علماء بريطانيون، الأسبوع الماضي، في تقرير أظهر أن العام الماضي 2025 كان الأكثر حرارة في تاريخ البلاد: «لقد ولّى مناخ القرن الـ20 الآن».

وأشار العلماء إلى أن متوسط درجات الحرارة، التي كانت غير معروفة تقريباً في الثمانينات، تغطي الآن ما يقرب من خُمس الأراضي، في الوقت الذي كانت فيه فرق الإطفاء تكافح لإخماد الحرائق من دورهام في الشمال إلى ديفون في الجنوب الغربي. وفي اليوم التالي، التهم حريق غابات 300 هكتار في متنزه كايرنغورمز الوطني في إسكتلندا.

عن «الغارديان»

. مهام رجال الإطفاء أشبه بمهام طبيب في غرفة طوارئ تعاني نقصاً شديداً في أجهزة التنفس الاصطناعي.

. مواجهة الحرائق الضخمة تشبه محاولة إرسال رجال الإطفاء إلى الشاطئ لوقف «تسونامي».


ضغط هائل على خدمات الطوارئ

مرونة نقل الأفراد تتضاءل مع تغيّّر الظروف. رويترز

قالت الدكتورة ماريا باربوسا، وهي عالمة متخصصة في حرائق الغابات بمركز المملكة المتحدة للبيئة: «تُشكل حرائق الغابات المتزامنة ضغطاً هائلاً على خدمات الطوارئ». وأوضحت: «تعتمد وكالات مكافحة الحرائق على قدرتها على نقل الأفراد والمعدات والطائرات بين المناطق مع تغيّر الظروف. ولكن عندما تندلع حرائق كبيرة متعددة في الوقت نفسه، تتضاءل هذه المرونة بشكل كبير». وقال عالم حرائق الغابات في كلية لندن للاقتصاد، الدكتور توماس سميث، إن التحوّل من مكافحة جميع الحرائق إلى انتقاء الأهداف هو «أمر جديد جداً بالنسبة لدول شمال أوروبا»، وإن لم يكن كذلك بالنسبة لمنطقة البحر الأبيض المتوسط. وتابع عالم حرائق الغابات: «إنهم يضطرون إلى تغيير تكتيكاتهم عند مكافحة الحرائق، بينما نحن نكافح حقاً لاتخاذ القرارات الاستراتيجية».


حواجز طبيعية لمنع الحرائق

النيران دمرت منازل في ضواحي لندن خلال موجة الحر خلال 2022 . أرشيفية

لاتزال ذكريات الحريق الهائل الذي دمر 18 منزلاً في قرية «وينينغتون» البريطانية خلال موجة حر شديدة في يوليو 2022 حية في أذهان رجال الإطفاء في لندن، حيث كان ذلك أسوأ يوم يمر به جهاز الإطفاء في لندن منذ أن أشعلت القنابل الألمانية النيران في المدينة خلال الحرب العالمية الثانية.

ولتحقيق مزيد من المرونة، اشترت إدارة الإطفاء منذ ذلك الحين أربع مركبات دعم صالحة لجميع التضاريس، تتمتع بالمرونة الكافية للوصول إلى أماكن لا تستطيع سيارات الإطفاء الوصول إليها.

وقد تم توظيف مركبات الإطفاء ذات الدفع الرباعي، القادرة على «الضخ والقيادة»، 34 مرة العام الجاري، بما في ذلك في حرائق عادية.

كما شجعت فرقة إطفاء لندن، السلطات المحلية ومالكي الأراضي الخاصة، على إنشاء حواجز طبيعية للحرائق عن طريق قص العشب بالقرب من المنازل والمؤسسات التجارية، وحرث الأراضي لإزالة المواد القابلة للاشتعال، وإزالة الأوراق الميتة - وهي أنواع من الاستراتيجيات التي يعرفها الأستراليون جيداً - لمنع انتشار الحرائق.

وقد أصبحت هذه النصائح أكثر أهمية مع انخفاض عدد رجال الإطفاء، وقال الأمين العام لنقابة فرق الإطفاء، ستيف رايت، إن طواقم الإطفاء تعاني ضغوطاً شديدة بسبب تخفيض الموظفين - حيث يقل عدد رجال الإطفاء في المملكة المتحدة اليوم بمقدار 12 ألفاً عن عددهم في عام 2010 - ما أدى إلى تأخير وصولهم إلى مواقع الحوادث، كما أدى بدوره إلى زيادة عدد الحرائق التي تخرج عن السيطرة.

وقال رايت: «الوضع سيزداد سوءاً، وعلى الحكومة أن تتحكم في الأمر. هذه ليست أراضي مستنقعات، ولا أراض برية. إنها تحدث في البلدات والمدن والقرى في جميع أنحاء المملكة المتحدة».


استراتيجية تشجع على «الحرق المُوجه»

بدأ التحوّل الثقافي لدى رجال الإطفاء في أوروبا، بالانعكاس تدريجياً على السياسات، ففي أواخر يونيو 2026، وافقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على استراتيجية غير ملزمة لإدارة مخاطر حرائق الغابات تشجع على «الحرق المُوجه»، وإزالة الشجيرات يدوياً، وزيادة التنوّع في المناظر الطبيعية، وقد تم تعزيز آلية الحماية المدنية الخاصة بالاتحاد الأوروبي، التي تسمح للدول الأعضاء المتضررة بطلب الدعم في مكافحة الحرائق من الدول المجاورة هذا العام، من خلال عمليات نشر استباقية لرجال الإطفاء من مناطق أخرى.

وكانت حرائق الغابات في عام 2025، التي حطمت الأرقام القياسية وأحرقت مليون هكتار، أدت إلى زيادة طلبات المساعدة أكثر من أي وقت مضى. لكن، في حين أن الآلية نفسها كانت «تعمل بشكل مثالي»، فقد تم نشر أفراد فرق مكافحة الحرائق في مواقف قصوى لم يسبق لهم أن شهدوا مثلها من قبل، وفقاً لما قاله خوان كامانيو، رئيس قسم التدريب في مؤسسة «باو كوستا»، وهي منظمة غير ربحية تساعد أيرلندا الشمالية ومناطق باردة أخرى في شمال أوروبا على الاستعداد لتفاقم حرائق الغابات. وقد كان يتحدث من إندونيسيا، حيث كان يُعد فرق مكافحة الحرائق لمواجهة «الحرائق الهائلة» التي ستواجهها منطقة جنوب شرق آسيا قريباً.

تويتر